المقالات

من الرابح الأكبر في حرب الأربعين يوماً؟!

بقلم : جمال بن ماجد الكندي

بعد أكثر من سبعٍ وثلاثين مرة أعلن فيها الرئيس الأمريكي أن اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، وبين الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل من جهة أخرى، بات قريبًا ووشيكًا، تم التوقيع الإلكتروني المبدئي على بنود إنهاء الحرب، في إشارة إلى دخول طهران في مسار تفاوضي مشروط بالوقف الكامل لجميع الأعمال العدائية والعسكرية في مختلف الجبهات، وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية ،ويتضمن الاتفاق الإطاري أربعة عشر بندًا، سنناقش أبرزها في هذا المقال، إذ إن تحليل هذه البنود وقراءة نتائجها السياسية والعسكرية كفيلان بالإجابة عن السؤال الأهم: من هو الرابح الأكبر من حرب الأربعين يومًا؟

هذا الاتفاق الإطاري بين إيران والولايات المتحدة سيمر بمرحلة مفصلية لاختبار مدى صدقية الجانب الأمريكي في تنفيذ التزاماته المتعلقة بوقف الحرب في جميع الجبهات، وذلك قبل التوقيع النهائي المرتقب في إحدى الدول الأوروبية، وفقًا لما أوردته التسريبات الإعلامية. وتشير هذه التسريبات إلى وجود مهلة تمتد لثلاثة أيام تخضع خلالها الجبهة اللبنانية لمراقبة دقيقة للتحقق من التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار.

ويمثل هذا البند تحديدًا الاختبار الأكبر للولايات المتحدة في إثبات جديتها تجاه الاتفاق النهائي، ولا سيما أن المطلب الإيراني شدد على أن يشمل وقف الحرب جميع الساحات، وفي مقدمتها لبنان، وهو ما يضع واشنطن أمام تحدٍّ حقيقي في قدرتها على إلزام حليفها الإسرائيلي بتنفيذ بنود الاتفاق في المنطقة.

الحروب لا تُقاس عادةً بحجم الدمار أو عدد الضربات العسكرية ، بل بمدى تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية. ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل نجحت هذه الحرب في تحقيق الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، أم أن نتائجها أفرزت واقعًا إقليميًا جديدًا يختلف عما كان مخططًا له قبل اندلاعها؟ والأهم من ذلك: من خرج رابحًا من حرب الأربعين يومًا؟

قبل الحديث عن الرابح الأكبر من حرب الأربعين يومًا، لا بد من تأسيس قاعدة عامة لفهم معايير الربح والخسارة في الحروب. فالحروب، في جوهرها، لا تُخاض عبثًا، بل تنطلق لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، وغالبًا ما تكون هذه الأهداف مرتبطة بالطرف المبادر إلى الحرب أو المعتدي. وعندما يعجز هذا الطرف عن تحقيق أهدافه عبر أدوات الضغط الداخلية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية، يلجأ إلى الخيار العسكري، مبررًا تدخله بعناوين أمنية أو إنسانية لكسب تأييد المجتمع الدولي وإضفاء الشرعية على أفعاله.

ولعل هذا النمط كان حاضرًا في العديد من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من العالم، بدءًا من فيتنام، مرورًا بالعراق وأفغانستان، وصولًا إلى المواجهة الحالية مع إيران، حيث غالبًا ما تُرفع شعارات تتعلق بالأمن والاستقرار، بينما تكشف النتائج اللاحقة عن أهداف استراتيجية أوسع تتجاوز المبررات المعلنة.

إن حرب الأربعين يومًا، كما اصطلح على تسميتها، ومن قبلها حرب الاثني عشر يومًا، يمكن النظر إليهما باعتبارهما محاولة لإحداث تغيير في سلوك النظام الإيراني أو إعادة دمجه ضمن المنظومة الإقليمية والدولية التي تقودها الولايات المتحدة، على غرار ما كان عليه الوضع خلال عهد الشاه. ولم يكن هذا التوجه خافيًا في الخطاب السياسي الأمريكي على مدى العقود الماضية، إذ سبق الحرب مسار طويل من الضغوط والعقوبات الاقتصادية التي استهدفت طهران منذ سقوط نظام الشاه عام 1979، غير أن هذه السياسات لم تنجح في تحقيق أهدافها النهائية وفق الرؤية الأمريكية.

ومن هنا جاءت الحرب تحت عنوان مواجهة التهديد النووي الإيراني، وهو العنوان الذي ترى طهران وحلفاؤها أنه يمثل الذريعة المعلنة، بينما يكمن الهدف الأعمق – وفق هذا الطرح – في إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، وتقليص دوره الإقليمي بوصفه أحد أبرز الداعمين للحركات المناهضة لإسرائيل في فلسطين ولبنان، سياسيًا وماديًا ومعنويًا.

فهل نجحت حرب الأربعين يومًا في تحقيق هذه الأهداف؟ وهل استطاعت الحد من نفوذ إيران الإقليمي أو تقليص دعمها لحلفائها في المنطقة؟ تلك أسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال تحليل محاور الحرب وقراءة بنود مذكرة التفاهم التي عُرفت بالنقاط الأربع عشرة بين إيران والولايات المتحدة.

شكّلت حرب الأربعين يومًا أكبر اختبار للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما لقياس مدى قدرة إيران على الصمود العسكري، والحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، وكذلك اختبار مدى جدية الحليفين الروسي والصيني في تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الذي يعزز قدرة طهران على مواجهة الضغوط المتصاعدة.

ومن منظور العديد من المراقبين، فإن أولى مؤشرات الإخفاق الأمريكي والإسرائيلي برزت منذ الأيام الأولى للحرب. فبحسب العديد من التحليلات والتقديرات التي سبقت المواجهة، كان الرهان قائمًا على إحداث صدمة استراتيجية تؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني أو دفعه نحو الانهيار السريع خلال فترة زمنية قصيرة، دون إتاحة الفرصة لطهران للدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد.

غير أن امتداد المواجهة إلى أربعين يومًا – وهو ما أطلق عليها هذه التسمية – شكّل بحد ذاته مؤشرًا على عدم تحقق سيناريو الحرب الخاطفة الذي كان مطروحًا في بعض التقديرات. فالهدف، وفق تلك القراءات، لم يكن خوض حرب طويلة، بل تحقيق نتائج سريعة تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية وتفرض واقعًا سياسيًا جديدًا في إيران والمنطقة.

ومع تحول الحرب إلى حالة من الاستنزاف المتبادل، واتساع تأثيراتها على أمن الملاحة والطاقة، ولا سيما في مضيق هرمز، امتدت التداعيات الاقتصادية إلى المنطقة والعالم، الأمر الذي زاد من كلفة استمرار الحرب على جميع الأطراف. ولفهم ما إذا كانت هذه المخرجات تعكس انتصارًا سياسيًا لطهران أم مجرد تسوية مؤقتة، يصبح من الضروري قراءة بنود الاتفاق الإطاري وتحليل دلالاتها الاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاتفاق الإطاري بين إيران والولايات المتحدة بوصفه أحد المخرجات السياسية التي أفرزتها الحرب، ونتاجًا لتوازنات جديدة فرضتها الوقائع الميدانية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل أعادت حرب الأربعين يومًا رسم موازين القوى في المنطقة، ومن هو الطرف الذي استطاع تحويل الصمود العسكري إلى مكاسب سياسية واستراتيجية؟

من خلال استعراض بنود الاتفاق الإطاري المعلن عنه، يتضح أن هناك تباينًا في عرض بعض تفاصيله بين المصادر المختلفة، إلا أن مجمل المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن العديد من هذه البنود يعكس واقعًا جديدًا فرضته تطورات الحرب وموازين القوى التي أفرزتها. وفي هذا السياق، برزت ورقة مضيق هرمز بوصفها إحدى أهم أدوات الضغط الاستراتيجية التي أسهمت في تغيير مجريات الأحداث وإعادة صياغة الحسابات الإقليمية والدولية.

ووفقًا لما نشرته وكالة مهر الإيرانية، فإن الاتفاق الإطاري يتضمن أربعة عشر بندًا، يرى بعض المراقبين أن العديد منها يصب في صالح إيران، لا سيما البنود المتعلقة بوقف دائم للأعمال العسكرية في مختلف الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، إضافة إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة التي تُقدَّر بنحو 24 مليار دولار، على أن يُفرج عن جزء منها قبل انطلاق جولة المفاوضات المقرر أن تستمر ستين يومًا، والتي ستتناول الملف النووي الإيراني وقضايا أخرى ذات صلة.

وفي المقابل، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية وغربية عن وجود جدل متزايد بشأن نتائج الحرب ومخرجاتها السياسية. فقد أشارت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية في عدة تقارير وتحليلات نشرتها خلال شهر يونيو 2026 إلى أن الإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل خلال الحرب لم تُترجم إلى نصر استراتيجي كامل، وأن عددًا من القضايا الأمنية الأساسية بقي دون حسم نهائي، الأمر الذي فتح باب النقاش داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية حول مآلات الحرب ونتائجها.ونحن لا ننفي حجم الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها إيران، إلا أن تقييم نتائج الحروب يُبنى عادةً على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى.”والتي بدأت تظهر بمجرد بقاء النظام الإيراني وعدم سقوطه. .

كما نقلت وكالة رويترز في تقرير نشر بتاريخ 15 يونيو 2026 عن مسؤولين ومحللين إسرائيليين وجود حالة من عدم الرضا داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية تجاه الاتفاق، باعتبار أنه لم يحقق بصورة كاملة أهدافًا تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران. وأشارت الوكالة إلى أن بعض القضايا الجوهرية، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم الحلفاء الإقليميين، لا تزال محل خلاف ولم تُحسم بصورة نهائية في الاتفاق.

وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها بتاريخ 15 يونيو 2026 أن الاتفاق أثار انتقادات داخل إسرائيل، حيث رأى بعض السياسيين الإسرائيليين أن بنوده قد تمنح إيران وحلفاءها مساحة لإعادة ترتيب أوراقهم الاستراتيجية، في حين استمرت الخلافات بشأن الملفات المرتبطة بلبنان والبرنامج النووي الإيراني.

وقبل الحرب، كانت المطالب الأمريكية والإسرائيلية المعلنة تركز على وقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة، وإنهاء برنامجها النووي، وتقليص قدراتها الصاروخية. غير أن نتائج الحرب، بحسب هذه القراءة، تشير إلى أن جزءًا من تلك الأهداف لم يتحقق بالصورة التي كانت مطروحة قبل اندلاع المواجهة.

ومن هذا المنطلق، يرى أنصار هذا التفسير أن بقاء النظام الإيراني قائمًا، مع احتفاظه بقدراته العسكرية والصاروخية، وظهور مضيق هرمز بوصفه عاملًا مؤثرًا في معادلات الردع الإقليمية، كلها مؤشرات تدفع إلى اعتبار إيران من أبرز الأطراف التي خرجت بمكاسب استراتيجية من حرب الأربعين يومًا. كما أن هذه النتائج قد تسهم في إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية وفرض توازنات جديدة في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

ختاماً إذا كانت الحروب تُقاس بمدى تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فإن نتائج حرب الأربعين يومًا توحي بأن إيران نجحت في منع خصومها من تحقيق أهدافهم الكبرى، وحولت صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية وإقليمية. وبذلك، تبدو طهران – وفق معطيات هذه الحرب – الرابح الأكبر، فيما تقف المنطقة على أعتاب توازنات جديدة قد تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى