الدين ليس مجرد صلاة وسبحة!

بقلم : سعيد بن محمد الرواحي
في حياتنا اليومية كثيرا ما نلتقي بأشخاص تبدو عليهم مظاهر الحرص على التدين؛ صلاة في وقتها، سبحة لا تفارق اليد، عمرة تتبعها عمرة، وعبارات وعظية تتردد على الألسن. مشهد يمنحك انطباعا أوليا بأن الأخلاق على الدرجة نفسها من الصفاء. لكنك قد تفاجأ أحيانا بقسوة في التعامل، وسرعة في الخصومة، ولسان جارح، وكأن الدين انفصل عن السلوك، أو كأن العبادة أصبحت طقسا منفصلا عن معناها.
هنا تبدأ واحدة من أغرب المفارقات التي نعيشها في مجتمعاتنا: تدين شكلي لا يتجاوز المظهر الخارجي، منفصل عن روح الدين الذي أراده الله دستورا لضبط السلوك البشري.
فالشعائر في الإسلام ليست غاية مستقلة، بل وسائل تهذيب وتربية؛ الصلاة لتنهى عن الفحشاء والمنكر، والصوم ليكبح الغضب والشهوة، والزكاة لتقتل الأنانية، والحج ليعيد الإنسان إلى تواضع الفطرة كما بدأ. فإذا بقي الظلم حاضرا بعد الصلاة، والغل بعد الصوم، والقسوة بعد التلاوة، فالمشكلة ليست في الدين، بل في الطريقة التي نفهمه بها. لقد أراد الله من العبادة أن تصنع من الإنسان منفذا لرحمته في الأرض، لا أن تمنحه بطاقة تعريف دينية فقط.
ولهذا لم يربط القرآن قيمة الإنسان بكثرة حركاته التعبدية بقدر ما ربطها بأثر هذه العبادات في الآخرين؛ حيث لا يقاس الدين لا بعدد الركعات وحدها بل بسلامة القلب، ولا بطول الدعاء بل بعدل الكلمة، ولا بعدد مرات العمرة بل بمدى الرحمة بمن حولنا.
إن التسامح في الإسلام ليس خلقا إضافيا يكتمل به المتدين، بل هو جوهر التدين نفسه؛ أن تكف أذاك عمن اختلف معك، أن تعفو مع قدرتك، أن تختار الرفق حيث تستطيع القسوة، أن تحفظ لسانك حين تغريك الخصومة، وأن تكون صادقا حتى عندما لا يراك أحد. هنا تبدأ العبادة الحقيقية، لأن الإنسان قد يختبئ من الناس وراء طقوسه، لكنه لا يستطيع أن يختبئ من الله وراء أخلاقه.
لقد جعل الإسلام العلاقة مع البشر امتحانا يوميا للإيمان: بر الوالدين، والعدل مع الخصم، والإحسان إلى الزوجة، والرحمة بالصغير، والرفق بالضعيف، والأمانة في العمل. هذه ليست تفاصيل اجتماعية هامشية، بل هي صلب الدين، ومن دونها تتحول العبادة إلى حركات صامتة لا تغير صاحبها ولا تؤثر في واقعه.
ولذلك كان ميزان القرب من النبي ﷺ ميزان أخلاق لا مظاهر، إذ قال: “إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا“.
فالتسامح في الإسلام ليس تنازلا عن الحق، بل سمو عن الانتقام، وليس ضعفا بل سيطرة على النفس، وليس مجاملة اجتماعية بل عبادة خفية. هو اللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على رغبة الرد، ويختار الإصلاح بدل الكسر، واللين بدل الإيذاء. ولا يسأل الناس يوم القيامة كم مرة رفعت يديك بالدعاء، بل أي قلب عدت به إلى الله. فالدين في حقيقته ليس علامة على الجبين ، بل ما في القلب من أثر الرحمة.
في الختام، يكفينا أن نعود إلى كتاب الله العظيم لنستضيء بهداه؛ فحين نتأمل بنيته الخطابية نجد أن الآيات التي تتناول القيم الأخلاقية والاجتماعية، تصريحا أو تلميحا، تتجاوز ألف آية، بينما لا تتجاوز الآيات التفصيلية الخاصة بالشعائر التعبدية في مجموعها نحو 150 إلى 200 آية بصورة مباشرة. وهذه المقارنة الرقمية لا تقلل من شأن العبادة، بقدر ما تكشف عن اتساع المساحة التي أفردها القرآن لبناء الإنسان خلقا وسلوكا، ليبقى الدين منهجا حياة قبل أن يكون طقوسا تؤدى.


