قم يا نومان

بقلم : مسلم بن أحمد العوائد
في ليلة من ليالي غزوة الأحزاب، كان البرد قارسا، والرسول ﷺ وأصحابه محاصرون، فكلف رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بمهمة خطيرة: أن يذهب إلى معسكر المشركين ويتحسس أخبارهم.
فلم يتردد حذيفة رضي الله عنه، ولم يقل: الجو بارد، أو المهمة خطيرة، أو لست مستعدا، بل قام بأمر رسول الله ﷺ. ووصف حاله بأنه لم يشعر بالبرد حين سمع اسمه من رسول الله ﷺ، حتى أدى المهمة.
فالأمانة، أيها القارئ الحصيف، ليست كلمات تقال، وإنما دين وعهد وثبات وأداء للواجب. قال رسول الله ﷺ: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له”.
هذا قبل…
اما بعد…
فمهما علا الإنسان المنابر المسجدية أو الوظيفية أو وسائل التواصل، ومهما تعددت مسمياته وألقابه، فإن الميزان الحقيقي هو الأمانة.
فقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: …. “الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح…”.
فالمسلم الحصيف، صاحب القلب والعقل السليم، يدرك معنى ذلك وهو يراجع المؤسسات الرسمية، حين تتأخر معاملة يمكن إنجازها بضغطة زر، أياما أو أسابيع، بينما يتسابقون في الظهور الإعلامي؛ فأين الأمانة الوظيفية التي أقسم هذا الموظف بالله العظيم على أدائها؟.
وكذلك في وسائل التواصل، وفي بعض المناسبات الإسلامية، بعضهم يستشهدون بعالم من القرون المتأخرة، ومرة بملحدين من الفلاسفة الغربيين، ويتجاهلون القرون المفضلة: قرن النبي ﷺ وصحابته والتابعين وأتباع التابعين وأئمة المذاهب، بل أين هم من قول الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..}، وليس الى القرون المتأخرة و الفلاسفة الغربيين.
اين الأمانة العلمية والوطنية والاجتماعية؟.
اخيرا…
إن المؤمن الحق ليس تابعا لكل ناعق، ولا متقلبا مع كل ريح، بل ثابت على الحق، يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.
فالطاعة والانضباط في أداء الواجب من أسباب استقامة المجتمعات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. فأدوا الأمانة الوظيفية والوطنية والعلمية، وألزموا طاعة ولي الأمر بالمعروف، مهما كانت الظروف والمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية.
ختاما…
عندما عاد حذيفة رضي الله عنه بعد أداء مهمته، شعر بذلك البرد القارس، فغطاه رسول الله ﷺ ببردته، ونام حتى الصباح، ثم أيقظه قائلا:
“قم يا نومان”.
فعلى كل متخذ قرار، وفي عنقه أمانة الأوطان والمجتمعات وولاة الأمر، أن يعرف قولا واحدا: من لا أمانة له، لا يؤتمن على أمر الدنيا والوطن والدين. وعليه ألا يتجاهل الموظف أو الجهة التي تكمم أفواه الدعاة والموظفين، الذين يجهرون بعقيدة طاعة ولي الأمر في المنشط والمكره.



