عندما تغيب وجهة نظر المجتمع، هل تتحول بعض القرارات الحكومية إلى عبء على المواطن؟

بقلم: سعيد بن محمد الرواحي
في ظل التحولات الاقتصادية التي تمر بها سلطنة عمان، وما تتطلبه المرحلة من قرارات دقيقة ومتوازنة، يظل السؤال المطروح لدى كثير من المواطنين؛ هل جميع القرارات التنظيمية الصادرة اليوم تصب فعلا في مصلحة المواطن والاقتصاد الوطني؟ ام ان بعضها، رغم حسن النية، اتى بنتائج معاكسة لما استهدفه؟
هذا السؤال يكتسب مشروعيته في وقت تؤكد فيه رؤية عمان 2040 ان الانسان العماني هو محور التنمية وغايتها، وان التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمواطن يمثل الركيزة الاولى لاي سياسات عامة ناجحة. وقد شدد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – في اكثر من مناسبة على ان تنمية الانسان وتمكينه وتاهيله للانخراط المنتج في الاقتصاد الوطني هو الاساس الذي تبنى عليه مسيرة النهضة المتجددة.
غير ان الواقع العملي لبعض القرارات التنظيمية خلال السنوات الماضية يثير تساؤلات حول مدى ارتباطها الفعلي بظروف المواطن اليومية وبحركة السوق الحقيقية.
من بين هذه القرارات، ما صدر في شان الزام اصحاب السجلات التجارية بتوظيف مواطن عماني. من حيث المبدأ، يحمل هذا القرار هدفا وطنيا نبيلا يتمثل في دعم التوظيف، الا ان التطبيق لم يراع الطبيعة الحقيقية لالاف السجلات التجارية الصغيرة التي لا تمثل شركات او مؤسسات بالمعنى الاقتصادي، بل كانت في الغالب مصدر رزق فردي بسيط لمواطنين استطاعوا من خلالها ان يؤمنوا احتياجاتهم دون اللجوء الى قوائم الباحثين عن عمل. ومع صدور القرار، فضل عدد كبير منهم اغلاق سجلاتهم، لينتقلوا من خانة المنتج الصغير الى خانة الباحث عن وظيفة، فتضخمت الارقام دون ان تخلق وظائف حقيقية، وهو ما يناقض الهدف الاصلي للقرار.
اما المثال الاخر، وربما الاشد اثرا اجتماعيا واقتصاديا، فيتعلق بالية توزيع الاراضي السكنية. فقد شكل النظام السابق، الذي كان يمنح المواطن ارضا عند بلوغه سن الحادية والعشرين مقابل رسوم رمزية، احد اهم ادوات التمكين الاجتماعي في السلطنة. لم تكن الارض مجرد منحة، بل كانت اصلا اقتصاديا يمنح المواطن فرصة حقيقية للبناء والاستقرار او للبيع والانتقال الى موقع تتوافر فيه الخدمات.
هذا النظام خلق على مدى سنوات سوقا عقاريا نشطا يخدم الجميع: المواطن يستفيد من بيع ارضه او تطويرها، المواطن الباحث عن عمل يجد فرصة في السمسرة والخدمات المرتبطة بالعقار، والحكومة تجني رسوم تسجيل وبيع متكررة تصل الى ملايين الريالات سنويا دون ان تفقد ملكيتها للارض. فكل عملية بيع كانت تعني رسوما جديدة وايرادات متجددة، اضافة الى تحريك قطاع المقاولات والتمويل والبناء.
لكن القيود الجديدة التي فرضت على التصرف في الاراضي ادت عمليا الى تجميد هذا النشاط، فخسر المواطن مرونة التصرف في اصل منحه اياه القانون، وتقلصت فرص العمل في قطاع كان يستوعب شريحة واسعة من الباحثين عن دخل، كما فقدت الدولة موردا ماليا كان يتدفق بشكل طبيعي من السوق العقاري. وبذلك تحولت الارض، في كثير من الحالات، من اداة تمكين الى اصل جامد لا يحقق فائدة اقتصادية او اجتماعية في توقيت حاجة المواطن اليه.
والمفارقة ان بدائل تنظيمية اكثر مرونة كانت متاحة لو تم الاستئناس باراء المواطنين والمختصين، من قبيل فرض رسوم تصاعدية على البيع السريع للحد من المضاربة، او استحداث مخططات سكنية مخدومة في مناطق واسعة غير مستغلة وبيعها بسعر اعلى يعكس قيمة الخدمات، مع ترك حرية التصرف للمواطن. مثل هذه الحلول كانت كفيلة بتحقيق مصلحة الدولة والمواطن في ان واحد، دون خنق السوق او تعطيل حركة الاقتصاد.
غير ان القضية هنا لا تتوقف عند السجلات التجارية او الاراضي السكنية فحسب، بل تعكس نمطا اوسع في بعض القرارات العامة. فالتجربة اثبتت ان التعمين، حين يفرض بنسب ثابتة على قطاعات ذات هوامش ربح ضعيفة او طبيعة تشغيلية خاصة، ادى في بعض الحالات الى اغلاق منشات صغيرة او انتقالها الى العمل غير النظامي، بدل ان ينتج وظائف مستقرة. وكذلك الحال في بعض الرسوم البلدية او الصحية التي فرضت بذات الكلفة على المشاريع الصغيرة والكبيرة، فكانت النتيجة انهاك الانشطة الناشئة بدل دعمها، رغم ان رؤية عمان 2040 تعول كثيرا على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كمحرك للنمو والتوظيف.
كما ان الحد من العمالة الوافدة، وهو هدف وطني مشروع، عندما يطبق دون برامج تدريب وتاهيل كافية للعمانيين او دون فترات انتقالية مدروسة، يؤدي في كثير من الاحيان الى تباطؤ المشاريع وتعثرها، فتتاثر الانتاجية وفرص التوظيف معا.
والمغزى هنا ليس رفض التنظيم، بل المطالبة بتنظيم ذكي قائم على الواقع لا على الافتراض. فصناعة القرار في قضايا تمس حياة الناس ومصادر رزقهم يجب ان تنطلق من الميدان، من بيانات حقيقية، ومن استشارات واسعة مع الفئات المتاثرة، لا من تصورات مكتبية قد تكون بعيدة عن الواقع.
وفي هذا السياق، يتجلى بوضوح توجيه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – حين يؤكد ان المواطن العماني هو اساس التنمية، وان تمكينه اقتصاديا واجتماعيا هو المدخل الحقيقي للاستقرار والنمو. فحماية مصدر دخل المواطن، وتسهيل حركته الاقتصادية، ومنحه مرونة التصرف في اصوله، ليست امتيازات، بل هي ادوات بناء الدولة الحديثة.
ان القرارات الحكومية، مهما كانت نياتها صادقة، اذا لم تبن على دراسات ميدانية عميقة وتحليل واقعي لتاثيراتها، قد تتحول من حلول الى اعباء. ومن هنا، فان الدعوة ليست الى التراجع عن التنظيم، بل الى الارتقاء به ليكون اكثر قربا من حياة الناس، واكثر انسجاما مع روح رؤية عمان 2040 التي وضعت الانسان في قلب كل سياسات التنمية.



