المقالات

الداخلية… من عمق التاريخ إلى آفاق المستقبل

 بقلم :هلال بن سعيد اليحيائي ،رئيس مركز بهلا الثقافي للعلوم والابتكار

في الاقتصاد الحديث أصبحت التنمية لا تُقاس بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بمفهوم الاقتصاد الذكي القائم على المزج بين الهوية والثقافة مع الابتكار والتكنولوجيا، في قالب حديث يحقق قيمة اقتصادية عالية، أي من خلال ما يُعرف بالتوازن بين الأصالة والإبداع .

ولا يعني هذا أن الموارد الطبيعية لا قيمة لها؛ إلا أن الابتكار والاستغلال الأمثل للمعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصاديةأو ما يُعرف بـ اقتصاد المعرفةالقائم على الإبداع والابتكار والتكنولوجيا، قدمنح كثيراً من الدول السبق والريادة والتفوق  كون الابتكار سمة ثقافية راسخة فيها .

لذلك قد لا نستغرب أن نرى مدناً أو أقاليم معينة في العالم قد حققت سمعة عالمية   ليس لأنها عواصم سياسية أو مراكز صناعية كبرى، بل لأنها استطاعت الاستفادة من ميزتها النسبية، أو مايُعرف باقتصاد الأقاليم القائم على استثمار المزايا المحلية. فهذه المدن أو الأقاليم عرفت كيف تبني استثمارها حول ما تمتلكه من مقومات فريدة التيلا تتكرر في مناطق أخرى .

هذا الدرس العالمي يكتسب أهمية خاصه عند النظر الى محافظة الداخلية، فلديها مخزون ثري من التراث والثقافة والجغرافيا الفريدة، إضافة إلى الطاقات الشبابية، وهي مقومات يمكن أن تتحولإلى روافع اقتصادية إذا ما التقت مع الابتكار والتخطيط الطويل المدى .

فإقليم توسكانا الإيطالي، الذي يتميز بمقوماته التاريخية و الزراعية  وفنونه وصناعاته الحرفية،استطاع أن يطوّر المواقع الاثرية والقرى الزراعية الى وجهات سياحية عالمية تستقطب في حدود 45 مليون سائح سنويا ، فأصبح الإقليم اليوم واحداً من أهم الوجهات السياحية في أوروبا، ليس من خلال المصانع الكبرى، بل عبر توظيف اقتصادالمعرفة في الزراعة والصناعات الإبداعية. واليومأصبحت منتجاته الزراعية، مثل زيت الزيتون،إضافة إلى الصناعات الجلدية والأزياء، علاماتتجارية عالمية تحقق للإقليم إيرادات تُقدَّر بنحو130 مليار دولار سنوياً .

أما مدينة كيوتو اليابانية، التي كانت عاصمة لليابان قديماً وتضم كنوزاً تاريخية وثقافية تتمثل في أكثر من 2000 معبد وموقع أثري، فلم تكتفِ بالحفاظ على السياحة والتراث وتطوير الحرف التقليدية، بل عملت على إنشاء الجامعات ومراكز البحث العلمي وحاضنات الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال. ولذلك تحتضن المدينة اليوم مقار كبرى الشركات اليابانية العالميّة تحقق إيرادات  سنويا بأكثر من 100 مليار دولار  .

أما محافظة الداخلية، وهي بمثابة قلب عُمان النابض، فمن خلال تاريخها الممتد لقرون طويلة،وموقعها الفريد، ومقوماتها في الإنسان والجغرافيا والثقافة، يمكنها أن تستثمر ميزتها النسبية لبناء نموذج تنموي متوازن ، فهذه المقومات ليست مجرد مناظر جمالية أو مشاهد تاريخية، بل يمكن أن تتحول إلى رأس مال اقتصادي إذا ما استُثمرت ضمن رؤية تنموية شاملة، تقوم على توزيع الأدوار بين ولايات المحافظة بدلاً من الاعتماد على مدينة واحدة وبما يطلق عليه مصطلح التنمية متعددة المراكز .

فيمكن لـ نزوى، بما تمتلكه من إرث حضاري عريق،أن تصبح مركزاً للعلوم والثقافة كما يمكن لـ بهلا،بما تحتضنه من قلعة مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي وصناعات حرفية تقليدية، أن تكون مركزاً للصناعات الإبداعية ، أما الجبل الأخضر وجبل شمس فيمكن تطويرهما ليكونا مركزاً للسياحة البيئية والزراعات ذات القيمة المضافة، مثل العسل والرمان وزيت الزيتون والقهوة، لتتحول إلى علامات تجارية عالمية ويمكن لـ آدم، بحكم قربها من مناطق النفط والغاز، أن تصبح مركزاً لمشاريع الطاقة الخضراء ، كما يمكن لـ سمائل أن تحتضن منطقة صناعية للصناعات الخفيفة والمتوسطة القائمة على الموارد الطبيعية للمحافظة، في حين يمكن أن تتخصص منح وأزكي في الصناعات الغذائية، وأن تصبح بدبد مركزاً للسياحة الثقافية .

إلا أن الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعتمد على السياحة والتراث وحدهما، بل أصبح قائماً بدرجة كبيرة على الابتكار واقتصاد المعرفة. فالدول التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم هي تلك التي جعلت الابتكار جزءاً من ثقافتها الوطنية ، فالولايات المتحدة الأمريكية، من خلال وادي السيليكون، تحتضن أكبر منظومة تكنولوجية فيالعالم. كما استطاعت اليابان وكوريا الجنوبيةاستثمار البحوث العلمية في تطوير صناعاتهاالمتقدمة، الأمر الذي جعلها من بين أكثرالاقتصادات تقدماً. أما الصين فقد برزت كقوة تكنولوجية صاعدة بفضل استثماراتها الضخمة في البحث العلمي والابتكار، حتى أصبحت اليوم تسجل ما يقارب نصف براءات الاختراع عالمياً. كذلك فإن إسرائيل، من خلال دعمها الكبير للبحثالعلمي والجامعات وتشجيعها لريادة الأعمال،أصبحت تُعرف بأنها ام الشركات الناشئة .

وفي هذا السياق تبرز أهمية الاستثمار في الطاقات الشبابية في محافظة الداخلية، حيث شهدت السنوات الماضية بروز العديد من الابتكارات الطلابية والمبادرات العلمية التي لاقت حضوراً لافتاً في المعارض والمسابقات الدولية. فقد أصبحت المؤسسات العلمية في المحافظة حاضنة لأفكار شبابية واعدة في مجالات الطاقة والزراعة والبيئة والتكنولوجيا إن هذه المبادرات تمثل ثروة حقيقية إذا ما تم استثمارها وتحويلها إلى مشاريع عملية مرتبطة بالواقع المحلي والعالمي،وذلك من خلال انشاء مجمع للابتكار في ولاية نزوى يوفر البيئة المناسبة من مراكز بحث ومختبرات وحاضنات ومساحات عمل وتدريب وتمويل تستقطب الشركات الناشئة المحلية والإقليمية والعالمية . كما يمكن للحكومة أن تؤدي دور المشتري الأول لهذه المنتجات والخدمات، بما يسهم في تحويل الأفكار إلى فرص اقتصادية حقيقية. ويتطلب ذلك أيضاً توحيد الجهود بينالمؤسسات التعليمية والحكومية في المحافظة مع أهمية وضع اهداف ومؤشرات أداء لقياس اثرة على الاقتصاد المحلي والوطني .

وفي نهاية المطاف، ليست التنمية مجرد مشاريععمرانية أو أرقام اقتصادية، بل هي قدرة على قراءةالمكان وفهم ميزاته الفريدة وتحويلها إلى فرصاقتصادية. ومحافظة الداخلية تمتلك، بلا شك،مقومات عديدة تجعلها قادرة على أن تصبح نموذجاً تنموياً مميزاً في سلطنة عُمان إذا ما تم الاستثمار في تاريخها وطبيعتها وإنسانها  ،  فالمناطق التي تعرف كيف توظف ماضيها بذكاء هي المناطق التي تستطيع أن تصنع مستقبلها بثقة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى