ليلة القدر بين الوهم المادي والواقع الروحاني

بقلم : سعيد بن محمد الرواحي
اختص الله تعالى شهر رمضان المبارك بليلة عظيمة الشأن، جليلة القدر، جعلها خيرا من ألف شهر؛ أي إن العبادة فيها تعادل عبادة ثلاث وثمانين سنة وزيادة. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى التماسها في الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان، وجعل الله إخفاء موعدها لحكمة بالغة، وهي أن يجتهد الناس في العبادة طوال هذه الليالي المباركة. فلو عرفت ليلة القدر على وجهالتحديد، لربما تكاسل كثير من الناس عن العبادة في سائر الشهر،واكتفوا بالاجتهاد في ليلة واحدة.
ومع مرور الزمن، أصبح بعض الناس يبحثون عن ليلة القدر فيالعلامات المادية والظواهر الكونية، كصفاء السماء أو اعتدال الطقسأو طلوع الشمس بلا شعاع. غير أن حقيقة هذه الليلة أعمق من ذلك بكثير؛ فهي قبل كل شيء حالة روحانية، وسكينة تنزل في القلب،وإقبال صادق على الله تعالى. إن ليلة القدر ليست مشهدا كونيا يلتقط بالصور، بقدر ما هي تجربة إيمانية يعيشها المؤمن بقلبه وروحه.
كما أن هذه الليلة المباركة لم تجعل لتحقيق المطالب الدنيوية من مال أو جاه أو نفوذ، بل جعلها الله هدية للمجتهدين في العبادة، يضاعف لهم فيها الأجر مضاعفة عظيمة. وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فبماذا أدعو؟ فقال لها:
“قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
ولم يوجهها إلى طلب المال أو متاع الدنيا، لأن أعظم ما يمكن أن يناله المؤمن في تلك الليلة هو عفو الله ومغفرته. فالعفو الإلهي هو الفوز الحقيقي الذي يفوق كل مكاسب الدنيا وزخارفها.
ولو كانت ليلة القدر بابا لتحقيق المطالب الدنيوية، لكان أكثر الناس زهدا وعبادة هم أكثرهم ثراء وسلطانا. لكن الواقع يشهد بغير ذلك؛فكثير من الصالحين يعيشون حياة بسيطة، وربما لا يعرفهم إلا القليل من الناس، غير أنهم عند الله عظيمو القدر والمكانة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن حصر ليلة القدر يقينا في ليلة محددة من الليالي الوترية؛ فاختلاف المطالع بين بلدان المسلمين قد يجعل الليلة الوترية في بلد ما تقابلها ليلة زوجية في بلد آخر. ولهذا كان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاجتهاد في العشر الأواخر كلها. بل إن رمضان بأكمله موسم عظيم للعبادة والطاعة، تتضاعف فيه الأجور وتتنزل فيه الرحمات.
أما العلامات التي يتداولها الناس ويتناقلون الحديث عنها، فليست بالضرورة ظواهر مادية جلية يراها كل أحد؛ إذ لو كانت كذلك لكان أولى الناس بملاحظتها أولئك الذين يسهرون في الطرقات والمجالس والأسواق. لكن الحقيقة أن أثر هذه الليلة يظهر غالبا في قلب المؤمن المخلص: سكينة تسري في النفس، وطمأنينة تغمر الروح، وإقبال صادق على الدعاء والذكر. وربما يجد المؤمن في تلك الساعات المباركة صفاء إيمانيا عميقا أو رؤيا صادقة تعزز يقينه.
وهكذا تبقى ليلة القدر سرا إلهيا عظيما، لا تدرك حقيقتها بالعين بقدرما تدرك بالقلب. فمن أراد أن يبلغ فضلها، فليبحث عنها في خشوعه وصدق دعائه وإخلاص عبادته، لا في الصور والعلامات العابرة. فهناك، في لحظة صفاء بين العبد وربه، قد يدرك المؤمن حقيقة هذه الليلة التي جعلها الله خيرا من ألف شهر.



