اتجاهات

عمان والإمارات، تكامل اقتصادي ينبغي استثماره

بقلم: أحمد الكندي

أيا كان ما شاب العلاقات العمانية الإماراتية في السنوات الأخيرة من توتر للأسباب التي لم تخف على أحد، فإن هناك متطلبات ملحة يفرضها واقع المتغيرات الاقتصادية وتدعو على الاقل الى إعادة النظر فيما يمكن القيام به لرأب الصدع وتجديد الثقة وتصفية النوايا بين قيادات الطرفين وتغليب جوهر المصالح المشتركة والدائمة على قشور المواقف الأحادية العارضة.
والحقيقة التي لا مراء فيها ان العلاقة بين البلدين الشقيقين علاقة وطيدة على جميع الاصعدة، فالبلدين تاريخيا هما بلدا واحدا وشعبا واحدا، ووشائج القربى والرحم ماثلة عيانا بينهم، وليس من المبالغة القول أن الارتباط بين الشعبين الشقيقين يبلغ من المتانة والأصالة والتداخل بحيث يغدو تفصيل الحديث عنه وتعداد مظاهره من باب الاستطراد وفضلة القول التي لا داعي لها.
واذا ما أردنا الحديث عن العلاقات العمانية الإماراتية في السنوات الأخيرة بشكل اكثر توصيفا فإننا نجد ان ما كدرها تحديدا هو بعضا من توتر في العلاقات السياسية بين الطرفين بسبب بعض الممارسات التي صدرت من الجانب الإماراتي، والتي كان للجانب العماني موقفا حازما فيها تطور بعدها الى تأطير العلاقة بين الطرفين بالحذر والمراقبة والتقصي المستمر لنوايا الطرف الآخر، ناهيك طبعا عن ما حدث في الآونة الأخيرة من تقارب الإمارات مع العدو الصهيوني الامر الذي زاد من درجة حذر الجانب العماني في تعاطيه مع هدا التطور السياسي غير المسبوق، والذي يستوجب حسابات سياسية خاصة تفرض مزيدا من الحذر، لاسيما في ظل الصراع القائم في اليمن من جهة وفي ظل المناكفة السياسية المستمرة بين إيران واسرائيل ودول المنطقة من جهة أخرى.
لكن وبسبب ما أشرنا إليه من قوة الارتباط بين الشعبين الشقيقين ديموغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، فإنه من الملاحظ أن الكدر الحاصل بين الدولتين اقتصر على تأثير في الجوانب السياسية والأمنية فقط، إذ استطاع هذا الارتباط الوثيق أن يفرض نفسه على قيادات البلدين، وأن يكون استثناءا من تأثير إرهاصات السياسة وردود أفعالها، كما نستطيع القول أنه حتى على المستوى السياسي كان لهذه العلاقة المتينة بين البلدين دورها في الحد من تأثير ما حصل بحيث تم العمل من الجانب العماني على وجه الخصوص على احتواء ما حصل بسرعة والسعي إلى تجنب تأثيره على العلاقات الرسمية الأخوية المعلنة بين الطرفين، ولعل حكمة السلطان العماني الراحل كان لها دور في ذلك لما عرف عنه من سعة الصدر والحكمة السياسية والقدرة على غض الطرف وتجنب تأزيم المواقف وتجنب الدخول في دوائر الفعل ورد الفعل التي غالبا لا تنتهي.
وعلى هذا فإن قوة هذا الارتباط بين الشعبين كانت كفيلة بتحجيم أثر المواقف السياسية العارضة بينهما إلى الحد الذي لم يكن له أي تأثير على مختلف جوانب الحياة بين الشعبين الشقيقين، كما لم يكن لهذه المواقف العارضة تأثير ملحوظ على العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين والتي تشير جميع المؤشرات الإحصائية على نموها بشكل مضطرد عاما بعد عام، فحجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع إلى 470% خلال الفترة من 2010 – 2019 وسلطنة عمان ودولة الإمارات يعدان البلدان الأعلى في التبادل التجاري غير النفطي ضمن دول الخليج العربي، ” وتتصدر الإمارات قائمة أكبر الشركاء التجاريين لسلطنة عُمان، حيث تشهد الاستثمارات البينية نمواً كبيراً في القطاعات المختلفة، وهو ما تعكسه أرقام التبادل التجاري الصادرة عن أبوظبي ومسقط. كما تعد السلطنة ثاني أهم شريك في التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، باستحواذها على ما نسبته 20% من إجمالي التجارة غير النفطية للدولة مع دول الخليج، وجاءت الإمارات في مقدمة الدول المستوردة للأسماك من عُمان، حيث صدرت إليها ما نسبته 22% من إجمالي كمية الصادرات العمانية من الأسماك، بكمية بلغت 41 ألف طن، حسب بيانات وزارة الزراعة العُمانية الصادرة في أغسطس الماضي ، وفي 18 نوفمبر 2021 أعلن وزير الاقتصاد الإماراتي، أن حجم التبادلات التجارية الثنائية غير النفطية بين بلاده والسلطنة خلال عام 2020، بلغ نحو 42.3 مليار درهم (11.5مليار دولار)، فيما حقق نمواً خلال النصف الأول من العام 2021 بنسبة 24.1% مقارنة مع العام 2020.” / صحيفة الخليج أون لاين.
وبحسب الصحيفة نفسها فإن حجم الاستثمارات العمانية في الإمارات وصل إلى 1.2 مليار دولار وهو يمثل 20% من إجمالي استثمارات السلطنة في الخارج، ووصل عدد الشركات العمانية العاملة في الإمارات إلى 230 شركة تستثمر حوالي 3.8 مليار درهم، في حين وصل عدد الشركات الإماراتية العاملة في السلطنة 3300 شركة يبلغ إجمالي استثماراتها حوالي 1.7 مليار درهم، وفي السوق العقاري بلغت قيمة العقارات المملوكة من العمانيين في الإمارات 14 مليار درهم خلال العام 2019.
من هذا كله نخلص إلى أن الارتباط الاقتصادي بين البلدين متين إلى درجة كبيرة، فإذا أضفنا إلى هذا الارتباط التاريخي والعلاقات الاجتماعية بين الشعبين فإن هذا كله يجعل من هذا الارتباط قاعدة مثالية لتحقيق مزيدا من التكامل الاقتصادي بينهما، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية والتي تدعو فعلا إلى وضع الخلافات العارضة جانبا، والتفكير مليا في كيفية تبادل المنافع المشتركة التي بإمكانها المساهمة بشكل فعال في حلحلة القضايا الاقتصادية ذات الأهمية، فعلى سبيل المثال تعاني سلطنة عمان من أزمة الباحثين عن العمل في حين تزخر الإمارات بسوق عمل كبير بإمكانه امتصاص جزءا لا بأس به من القوى العاملة العمانية، وفي المقابل فإن الإمارات تمتلك خططا استراتيجية وإمكانات وخبرات عالمية جيدة في مجال مشاريع التطوير السياحي والعقاري، في حين تمتلك سلطنة عمان موارد طبيعية وتاريخية مثالية لهذه المشاريع التي لو نفذت فإنها ستجعل من البلدين معا مقصدا عالميا للتسوق والسياحة، وهكذا تنمو استثمارات الامارات في مشاريع جيدة ومضمونة في حين تنتعش سلطنة عمان اقتصاديا.
فهل لنا أن نتصور متحف اللوفر في أبوظبي وهو زاخر بنماذج من التراث العماني العريق في موائمة رائعة لتراث البلدين؟ وهل لنا أن نرى الأفواج السياحية العالمية المتوجهة إلى دبي تقضي أياما رائعة في أحضان خريف صلالة؟ وهل لنا أن نتصور مطار صحار وهو يعج بحركة المسافرين القادمين من مطار دبي لزيارة قلاع عمان وأفلاجها وشواطئها؟ وهل لنا أن نرى مشاريع الأمن الغذائي العملاقة في مراعي صلالة الخضراء؟
إن التكامل الاقتصادي القائم حاليا بين البلدين، والتوازن في حاجة كل منهما إلى الآخر، والعلاقة النوعية الحميمية التي تجمع الشعبين معا، علاوة على الظروف الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمنطقة؛ لتدعو قيادات البلدين إلى استثمار هذا التكامل ليكون نافذة لانفتاح اقتصادي أوسع بينهما، وأداة اقتصادية تساعد على تسريع وتيرة التنمية وتحقيق أهدافها ومعالجة اشكالياتها، وفي ذات الوقت يكون هذا التعاون معززا للعلاقات الأخوية الوطيدة التي أثبتت أنها الأصل الذي ينبغي أن تبنى عليه آمال وتطلعات الشعبين الشقيقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى