المقالات

جريمة نخل، طعنتان في قلب الطبيعة

كتب : أحمد بن سليمان الكندي

سياحيا ونحن نستعرض ما نفذ في ولاية نخل من مشاريع تحت مظلة التطوير السياحي؛ يحق لنا أن نسأل عما إذا كانت ولاية نخل تمثل نموذجا لاضطراب رؤيتنا لمفهوم تطوير السياحة بشكل عام ولمتطلبات التطوير السياحي لمثل هذه المواقع بشكل خاص؟ وعما يمكن الخلوص اليه من نتائج تساعدنا على تحديد مكمن الخلل في خططنا لتنمية السياحة في بلادنا الغالية.
في حقبة ما قبل الثمانينات كانت نخل بلدا فيه كل ما يمكن أن يجعله بلدا سياحيا من الدرجة الأولى لكن ما حل في نخل بعد ذلك لم يقتصر على أنه غير كافي ولا يلبي متطلبات السائح؛ لكنه وصل إلى ما يمكن وصفه بالجريمة السياحية التي تم فيها اغتيال ولاية نخل سياحياً.
طعنتان تلقتهما الطبيعة في نخل كان لهما تأثير سيء للأسف على الطبيعة البكر وعلى ما يمكن أن يكون تخطيطاً سياحياً فعالاً يؤتي أكله الطيب في اقتصادنا، طعنتان تلقتهما الطبيعة في نخل كان السبب المباشر فيهما ضعف التقدير لمفردات جمال الطبيعة، والقراءة غير الموفقة لمتطلبات السائح والترتيب المرتبك لأولويات التطوير، طعنتان تلقتهما الطبيعة في نخل كانتا انعكاسا للفشل في الموائمة بين حاجة البلد في سلم التطوير المدني وبين حاجتها للتطوير سياحيا.
اغتيلت نخل سياحيا في المرة الأولى عندما قرر المخططون آنذاك التدخل انشائيا في عين الثوارة وواديها الجميل بحجة التطوير وتوفير مواقف لسيارات السواح، فقد انفتق ذهنهم على الماء المتدفق من العين والمنساب على الحجر الطبيعي واتخذوا قرارهم بأن يتم تكسير ذلك الحجر من اجل انشاء حوض خرساني يتجمع فيه الماء -من اجل الاستحمام – قبل ان ينساب الى الوادي الذي نال نصيبه من التخريب السياحي بأن استبدل لونه الأخضر الرائع بصبيات خرسانية مسلحة لتكون مواقف للسيارات فيما أتت الجرافات على مجموعة أشجار الكيذاء التي كانت ايقونة الجمال في الوادي واستأصلتها الى الأبد.
طعنة في قلب الطبيعة تم فيها المساس بعين الثوارة ومائها الدافق الذي تنعكس عليه أشعة الشمس فتحوله إلى لون فضي زاهي في مشهد غاية في الروعة والجمال. طعنة في قلب الطبيعة تم فيها تقليص مساحات الوادي الأخضر القشيب الذي كان يأتلف فيه منظر الماء العذب الرقراق مع العشب الأخضر الجميل في أحضان الصخر الصلد الأملس، ذلك الوادي الذي كان مرتعا فسيحا للصغار ومجالس انس وسمر للكبار، وقبل هذا وذاك كان بهجة للناظر ومحط اعجاب للزائر. طعنة أتت على شجر الكيذاء التي كان شذاها يتضوع في الارجاء فيزيد من مفردات الجمال جمالا.
للأسف لم يحفل المخططون آنذاك أن توفير حوض من أجل الاستحمام لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يكون ذريعة للمساس بالطبيعة البكر التي يقطع السواح من أجل الاستمتاع بها مئات الكيلومترات وحتى لو افتراضنا جدلا – وهذا غير صحيح – أن الاستحمام بماء الثوارة الدافئ هو الهم الأول للسائح فكان من الممكن توفير هذه الخدمة بطريقة لا تتقاطع مع أبجديات الجمال الطبيعية في المكان، وكذا الحال حين لم يقدر المخططون القيمة الجمالية والسياحية للوادي الأخضر القشيب وأهمية المحافظ عليه، وأن عليهم البحث عن بدائل أخرى لتوفير مواقف السيارات، أما شجر الكيذاء فلم يعره أحدا أي اهتمام وهو يقضى عليه بدم بارد.
وتتوالى السنون وترفع الحكومة شعار ” السياحة تثري”، ويعاد النظر إلى نخل، ويعاد التخطيط في تطويرها سياحيا، وهنا تتداخل الأولويات على المخططين، وتختلط الأوراق عليهم، وتتشابك المصالح بين التطوير السياحي الملح وضرورة معالجة مشكلة الزحام في المنطقة والنظر في شكاوى الأهالي من هذا الزحام ، فمنتزه عين الثوارة يعاني من الزحام الشديد لاسيما في أيام العطل، فالمواقف التي استحدثت لم تعد كافية، والوادي الذي استهدفوه بمشاريع التطوير السابقة لم يعد يستوعب الزائرين ،وأهالي علاية نخل يشتكون من هذا الزحام الذي أصبح يعيق الدخول والخروج من وإلى مناطق سكناهم. وما زاد الطين بلة أن ولاية نخل في تلك السنوات لم يكن بها مخفر للشرطة يتولى تنظيم حركة المرور، وكان كل الاعتماد على دورية شرطة تأتي بشكل غير منتظم من مركز الشرطة في ولاية بركاء.
نظر المخططون إلى هذا الوضع، فحددوا أن المشكلة في الطريق المؤدي إلى عين الثوارة والذي يبدأ فيه الزائر إلى نخل طريقه بالمرور على قلعتها التاريخية، ثم سوقها التجاري، ثم يمشي تحت ظلال النخيل السامقة وعلى جوانب الأفلاج الدافقة وبساتين الأشجار الرائقة وصولا إلى عين الثوارة الدافقة، نظر المخططون وابتدعوا مشروعا يقضي بشق طريق جديد من الشارع العام إلى عين الثوارة مباشرة ليسهل – كما كانت رؤيتهم – على السياح وصولهم لعين الثوارة كما يسهل على الأهالي دخولهم وخروجهم من علاية نخل.
وهنا كانت الطعنة الثانية لولاية نخل سياحيا، فإنشاء هذا الطريق لم يكن خطوة صحيحة في مسار التطوير السياحي على الاطلاق، فأولا لأن ضيق الطريق المؤدي لعين الثوارة لم يكن السبب المباشر للزحام، فالسيارات وحتى الحافلات كانت تصل إلى المكان بسهولة، صحيح أنه لم يكن طريقا فسيحا لكنه كان يؤدي الغرض ولم يكن أمر الاستغناء عنه أمرا ملحا، وللأسف لم ينتبه المخططون إن سبب الزحام هناك كان ضيق المكان نفسه وقلة المواقف وتكدس السيارات في المنطقة، لهذا فإنه كان عليهم أن يفهموا أنهم لو أنشأوا الطريق المقترح أو حتى لو انشأوا أكثر من طريق فإن كل ذلك لم يكن سيحل المشكلة ولم يكن سيساعد ، ولم يكن كافيا ، ولم يكن في أعلى قائمة متطلبات تطوير ولاية نخل سياحيا.
وثانيا كان على المخططين أن ينظروا إلى ولاية نخل بنظرة تكاملية تشمل جميع مقوماتها ومرافقها السياحية، لا أن يحصروا اهتمامهم على منتزه عين الثوارة فقط، فنخل سياحيا ليست عين الثوارة فقط، ومعلوم أنه كلما قدمنا الولاية إلى السائح بشكل أشمل كان ذلك أكثر جدوى في خططنا للتطوير السياحي، فإنشاء الطريق الجديد أثر سلبا على السياحة في نخل لأنه أتاح الوصول إلى عين الثوارة فقط ، وصرف أنظار السواح عن قلعة نخل وعن سوقها وعن افلاجها وعن مساجدها وعن بساتينها، وعن باقي أحيائها الريفية ، فأصبح السائح يسلك الطريق الجديد ويتجاهل – أو لا يعرف أصلا – الطريق القديم الذي يقدم له نخل بصورة أجمل وأشمل سياحيا، وهكذا أدى المشروع الجديد إلى اختزال نخل سياحيا في منزه عين الثوارة ،في الوقت الذي لم يقدم التطوير المطلوب فيما يتعلق بتقديم الخدمات التي ينشدها السائح.
وثالثا ما أحدثه الطريق الجديد من تغييرات على طبغرافية المنطقة وما تبع ذلك من خلل في التمثيل الطبيعي للعناصر الطبيعية والبشرية فيها والذي انعكس سلبا على وحدة منطقة علاية نخل وجمالها الريفي الذي يضاف إلى مقوماتها السياحية، فالطريق الجديد تم شقه على حساب الكثير من البساتين وأشجار النخيل اليانعة التي كانت تشكل منطقة خضراء شاسعة في خريطة نخل الطبيعية.
إن ما يتعلق بتطوير منتزه عين الثوارة بما يلبي حاجة السائح والمقيم؛ كان يمكن أن يكون مجديا أكثر لو تم إنشاء بناية متعددة الطوابق على ضفة الوادي تستوعب مواقف للسيارات والحافلات، وتكون فيها مطاعم ومقاهي واستراحات لخدمة مرتادي المكان، فلو تم إنشاء هذه البناية لاستطاعت امتصاص حركة المرور في المنطقة الأمر الذي كان سيحل مشكلة الزحام ويقدم في ذات الوقت الخدمات المطلوبة في مثل هذه المواقع السياحية التي تشكل البنية التحتية الأساسية التي ينبغي التخطيط لتوفيرها ونحن ندرس تطوير السياحة في بلادنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى