الإثنين , سبتمبر 27 2021
الرئيسية / المقالات / الإلحاد والمراهقة

الإلحاد والمراهقة

بقلم: كمال الفهدي

بعيداً عن عين العاصفة الجدلية التي نمر بها هذه الأيام سيتحدّث هذا المقال عن أمر قد يغفل عنه بعض المهتمّين بقضايا الإلحاد والصراعات الفكرية، هذا الأمر قد لا يكون قاعدة عامة ولكنه يمكن ملاحظته عبر الاستقراء.

ما هو السن الذي يكثر فيه الإلحاد؟

الإلحاد كغيره من القضايا الفكرية لا بد له من عمر يولد ويشتد عوده فيه، ومرحلة الشباب هي المرحلة الخصبة لولادة النباتات الفكرية، ومن المعلوم أن الشباب هم الأكثر حماسة للأفكار الجديدة، وأغلب أتباع الأنبياء والمفكرين والمشاهير ما هم إلا من جيل الشباب، وإذا ما استقرأنا بعض سير المفكرين الذين تحدثوا عن أنفسهم ومتى بدأ ظهور الميل إلى الأفكار الكبيرة كالإلحاد، نجد أنهم حصل معهم ذلك في سن المراهقة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل، وهنا سأذكر بعض الأمثلة على هؤلاء المفكرين الذين اختاروا مسار الإلحاد في سن المراهقة ثم حصلت لهم أمور دعتهم لإعادة النظر في أفكارهم واندفاعاتهم ليخرجوا بنتيجة مُرضية لهم ـ على أقل تقدير ـ

1- جيفري لانج: من منّا لا يعرف الدكتور جيفري لانج؟! ولمن لا يعرفه، فهو أمريكي الجنسية عندما كان طفلاً كان متشبعاً بالإيمان بالله وكانت أمه ممرضة وتهتم به كثيراً وتلقنه الكتاب المقدس، ولكن كان أبوه عربيداً سكّيراً، وكان في كل مرة يكثر فيها من تعاطيه للخمر يقوم إلى زوجته ـ أم جيفري لانج ـ ويضربها ضرباً مبرحاً، وفي يوم من الأيام كان الأب يضرب الأم حتى هرب جيفري لانج إلى غرفته مختبئاً تحت سريره وفي حالة هستيرية كان يصرخ: أين الله أين الله أين الله لكي ينقذ أمي من هذا العذاب؟! ومن تلك اللحظة بدأ إيمانه بالله يتهاوى حتى انغمس في الدنيا وكاد ينسى قضية الإيمان الكبرى، حتى وصل لمقاعد الجامعة وطرأ له السؤال مرة أخرى عن حقيقة وجود الخالق العظيم، بل أين يجده بالضبط هل مع اليهود أم النصارى أم المسلمين؟ وفي تلك الفترة أهدى إليه أحدهم كتاباً مترجماً لنص القرآن الكريم، ولم يكن قد أعطاه تلك الأهمية حتى مضى وقت طويل على إهدائه له، وعندما فتح ذلك الكتاب ارتطم بالآية: (وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ)[سورة البقرة 30] نعم ارتطم بهذه الآية التي تحمل جواباً لسؤاله الذي ظل من أجله حائراً طوال تلك الفترة، وسؤاله يتلخص حول (ما هي الحكمة من وجود الشر؟!) واكتشف أن الله قد يخفي أموراً ليبحث عنها المخلوق الذي حُمِّل الأمانة العظيمة كما في قصة آدم عليه السلام وسجود الملائكة له، ثم عاد جيفري لانج بعد تلك الرحلة الطويلة ليجد أن الإله الذي يبحث عنه موجود مع المسلمين وألّف كتاباً بعنوان (حتى الملائكة تسأل) يعرض فيه قصته والأسئلة التي كانت تحيّره، وقد حصل له ذلك في سن الأربعين ـ تقريباً ـ وما يزال إلى اليوم مسلماً يحاضر في جامعة كنساس في علم الرياضيات ويؤلف الكتب ويدعو للإسلام.

2- ليو تولستوي: لا أظن أن هذا الاسم لم يمر عليك ـ أخي القارئ ـ من قبل، وللتذكير فليو تولستوي هو مفكر وكاتب وروائي روسي مشهور جداً عاش في القرن التاسع عشر وتوفي في 1910م، وما يهمنا هو قصته مع الإلحاد، ففي يوم من أيام المراهقة ـ كما يحكي عن نفسه ـ في كتاب (اعتراف) أنه كان في سن الثامنة عشر وكان يصلي للرب وفجأة عَبَر خاطر قوي على باله يسأله: لماذا تصلي؟ ومن هذا الرب الذي تعبده؟! ثم ترك العبادة وانغمس فيما ينغمس فيه الشباب من لهو وبعد عن القضايا الإيمانية، ثم عندما صار كاتباً ومفكراً عاد إلى شوقه القديم ـ كما يقول ـ ذلك الشوق الذي دعاه إلى البحث مرة أخرى عن الخالق وعن الدين الصحيح، فجلس مع المفكرين ولم يجد الدين الصحيح معهم وجلس مع السياسيين ولم يجده، وجلس مع الرهبان ولم يجده أيضاً، وبعد زمن طويل ربما في أواخر عمره أخذ يجلس مع الفقراء محاولاً الخروج من الاكتئاب والملل الذي كان يعانيه، وكان يقود نفسه إلى الكنيسة ويستمع لما يقال ويلزم نفسه الصبر على تناقضات الرهبان، حتى وجد ضالته هناك فخرج بنتيجة أن الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يعتنقه الفقراء الصابرون على لقمة العيش الذاهبون العائدون على دُور العبادة وكلهم شوق ورضى على الرب الذي يدعونه دائماً أن تكون أيامهم أجمل.

3- أنطوني فلو، وقد كان أشرس الملاحدة وهو بنفسه يقول: لقد قلبت الطاولة على المؤمنين وصرت أطالبهم بإثبات وجود الله بدلاً من مطالبتهم لنا بإثبات عدم وجوده، وراح على هذا المنوال سنين طوال حتى فرغت كنانته من السهام التي كان يوجهها صوب المؤمنين، وبدأت حربه الضروس على الإيمان تضع أوزارها، ثم في النهاية قاده حبه لتتبع الحق والدليل إلى الاعتراف بوجود الإله وتأليف كتابه المشهور (هناك إله).

4- مصطفى محمود، كان كغيره من المراهقين يتحمس لكل فكرة جديدة، وقد تحمس لفكرة الإلحاد في سن مبكرة ـ ربما قبل العشرينات ـ وراح إيمانه بالله يتزلزل ويتساقط، حتى وصل إلى مقاعد الجامعة بكلية الطب ـ ومن الحب ما قتل ـ فقد كان حبه الكبير لتشريح الجثث قد تسبب له بمرض رئوي أقعده في المستشفى فترة من الزمن هدأت فيها نفسه وبدأ يطلع على الكتب، حتى شرع في مراجعة أفكاره حول الله وحول التدين الموجود الذي تمارسه عامة الناس والمؤسسات الدينية في مصر، واتخذ قراراً بالعودة إلى الله ولكن بشكل جديد، حتى دخل في نقاشات وحوارات مع علماء الأزهر واتهموه بالإلحاد والزندقة وغيرها، إلا أنه واصل النضال عن قناعاته الجديدة وكتب الكثير من الكتب وقدّم برنامجاً تلفزيونياً باسم (العلم والإيمان) يعرض فيه القضايا العلمية ويربطها بالإيمان بالله، وصار صوفياً زاهداً وبنى مستشفى لعلاج مرضى السرطان للفقراء والمحتاجين.

ثمة الكثير من الأمثلة تدل على أن رحلة الإنسان الفكرية تبدأ في سن المراهقة وتكبر معه وهو يكبر، لذلك فالحراك الموجود حالياً أغلب مثيريه هم من جيل الشباب المراهق، وهم يحتاجون لمن يجيبهم عن أسئلتهم ويأخذ بأيديهم ويحاورهم بصبر، والأهم من ذلك أن يمتلك إجابة عن كل سؤال يسألونه ليقدمها لهم، لأن الوضع خطير جداً، فأي متحدث في هذه القضية هو متحدث باسم الدين واسم الله، وهو يعرض الدين والله لخطر، فلا بد من تصدر المفكرين الراسخين في الفكر لمحاورة هذه الفئة، وعلى تلك الفئة ألا تتطرف ولا تسرف ولا تغالي في النقد والانتقاد، وعليهم أن يزرعوا شعوراً في أعماقهم يدعوهم إلى البحث الجاد عن الله، فإذا وجد ذلك الشعور سيهديهم الله إليه ولو بعد حين، وعلى الجميع الالتزام بالميثاق الأخلاقي وأدب البحث العلمي الذي يفرض على الجميع احترام كل طرف الطرف الآخر وعدم تسفيهه أو قدح رموزه حتى يجعل الله لكل طرف على الطرف الآخر سبيلاً.

شاهد أيضاً

نعم لوأد الفساد.. لا للتخريب و الاعتصام

بقلم: د. محاد الجنيبي (@mahajunaibi) لقد أثبت التاريخ أن الدول الناجحة في العالم لا تقوم …

اترك تعليقاً