بين حياد مُطمئن ووهم الأمان.. العالم على حافة إعادة تشكيل بالقوة

بقلم : سعيد بن محمد الرواحي
حين رفع وزير خارجية سلطنة عمان يده في المحافل الدولية، لم يكن ذلك استعراضا دبلوماسيا، بل موقفا أخلاقيا متجذرا في تاريخ دولة آمنت أن الاعتدال قوة، وأن الوساطة شجاعة، وأن السلام ليس ضعفا بل رؤية استراتيجية بعيدة المدى. عمان لم تكن يوما جزءًا من محاور صاخبة، بل كانت –ولا تزال – صوتا هادئا في عالم يعلو فيه ضجيج السلاح.
غير أن المشكلة اليوم ليست في غياب الأصوات العاقلة، بل في أن صوتا آخر يعلو فوقها جميعا هو صوت الحرب، صوت إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، صوت يقوده رئيس وزراء الكيان المحتل المتطرف،مدفوعا بعقيدة سياسية ترى أن اللحظة الدولية مواتية لفرض وقائع جديدة، مستفيدا من دعم أكبر قوة عسكرية وسياسية في العالم وتهور رئيسها وولائه المطلق لأوهام اليهود المتطرفين.
لسنا أمام جولة عسكرية عابرة، بل أمام مشروع يعيد تعريف التحالفات، ويختبر حدود القانون الدولي، ويضعف منظومة الأممالمتحدة التي ولدت أصلا لمنع عودة هذا النوع من المغامرات. فحين تتحول المؤسسات الدولية إلى شاهد صامت، أو إلى أدوات انتقائية تستخدم ضد الضعفاء فقط، فإن العالم يعود عمليا إلى شريعة الغاب،حيث يقاس الحق بحجم القوة لا بعدالة القضية.
من يظن أن الحرب الجارية –أو المواجهة المفتوحة – تستهدف طرفابعينه فقط، فهو يقرأ نصف المشهد ويتجاهل النصف الأخطر. هناالحديث عن “إعادة ترتيب الشرق الأوسط” لم يعد تحليلا صحفيا، بل أصبح هدفا معلنا في دوائر القرار، وتستخدم لتنفيذه القوة والدسائس السياسية.
إن استهداف إيران ، في هذا السياق، لايمكن أن يفهم فقط كصراع سياسي أو أمني، بل كمحاولة لإسكات آخر صوت إقليمي يعلن عداءه الصريح للمشروع الصهيوني. وفي حال تغير ميزان القوى هناك، فإنالرسالة لن تتوقف عند حدود جغرافية معينة، بل ستمتد إلى كل دولة مازالت تحتفظ بموقف واضح من القضية الفلسطينية، أو ترفض أنتختزل المنطقة في ترتيبات أمنية تخدم طرفا واحدًا فقط.
صدقوني، المرحلة التالية – إن لم يكبح مسار الحرب واستعراض القوة– قد تكون مرحلة فرض الإذعان السياسي؛ اعتراف كامل بدور إقليمي مهيمن، قبول بتدخلات عسكرية وأمنية تحت عناوين “حماية المصالح”، وإغلاق نهائي لأي أفق حقيقي لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة، حتى وإن كانت منزوعة السلاح. وهنا لم يعد السؤال هل ستستهدف دولة بعينها؟ بل متى، وكيف، وتحت أي ذريعة.
حتى الدول التي تعتقد أن الحياد يحميها، عليها أن تعيد حساباتها. التاريخ القريب يقول إن الحياد في زمن المشاريع التوسعية لا يمنح حصانة دائمة، بل قد يؤجل الاستهداف. حين تتغير خرائط النفوذ، لنيكن هناك مكانا للصامتين المسالمين، ولا لمن كان قادرا على التأثير ولم يفعل.
المطلوب اليوم ليس خطابا إنشائيا، بل رؤية استراتيجية جريئة ومواقف بناءة. إن كانت لدى العواصم العربية والإسلامية الكبرى خطط فعلية لحماية أمنها القومي، فعليها أن تبادر وتنتقل من رد الفعل إلى الفعل. ليست أقل من بناء تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية متوازنة،وتعزيز منظومات الدفاع المشترك، وتنسيق المواقف في القضايا المصيرية، فهذا الأمر لم يعد مجاملة دبلوماسية، بل ضرورة وجودية.
الردع ليس دعوة للحرب، بل ضمانة للسلام. أما الارتهان إلى وعودمؤقتة أو حسابات قصيرة الأمد، فقد يكلف المنطقة أثمانا لا يمكنتعويضها لعقود قادمة.
العالم اليوم يقف على مفترق طرق حقيقي. النزعات الاستعمارية تعودبأسماء جديدة، وأدوات حديثة، وتحالفات أكثر تعقيدا. الأمم المتحدةتحولت إلى إطار شكلي، يستخدم لشرعنة قرارات الأقوياء بدل ضبطتصرفاتهم. وإذا استمر هذا المسار دون مقاومة سياسية جماعية، فقدنشهد تصعيدا يتجاوز الإقليم إلى صدامات أوسع، تعيد تعريف الأمنالعالمي كله.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة لا يتمثل في الحرب وحدها، بل فيتطبيع فكرة الهيمنة والتعامل معها كأمر واقع لا يمكن تغييره. فحينتتحول الهيمنة إلى أمر مسلم به، يصبح التراجع عن منطق القوة أكثرصعوبة، ويتآكل الإيمان بإمكان بناء نظام دولي قائم على التوازنوالاحترام المتبادل.
ومن المؤسف أن التجارب أثبتت أنه لا يمكن الركون الكامل إلى حليفخارجي، مهما تشابكت المصالح وتعاظمت الشراكات؛ إذ كشفتالأحداث الأخيرة أن التحالفات تحكمها أولويات متغيرة وحساباتظرفية قد لا تتوافق دائمًا مع مصالحنا الحيوية.
وعليه، فإن الردع الاستراتيجي الحقيقي لا يُبنى على الاتكاء علىالخارج، بل على تحصين الجبهات الداخلية، وتعزيز المناعة الوطنيةسياسيا واقتصاديا وعسكريا، والعمل الجاد على تحقيق التكامل بيندول المنطقة التي يجمعها مصير مشترك ومصالح متقاربة. فالقوةالمستدامة تنبع أولًا من الداخل، ثم تترجم إلى شراكات متوازنة لاارتهان فيها ولا تبعية
ويبقى السؤال الجوهري، هل تتوحد الدول التي تؤمن بالعدالة وحقالشعوب في تقرير مصيرها، وتتحرك قبل أن تفرض عليها الشروط؟ أمننتظر حتى يصبح المجال أضيق، والخيارات أقل، والكلفة أعلى؟
في زمن التحولات الكبرى، لا تصون الأوطان إلا وضوح الرؤية، ووحدةالصف، وجرأة القرار. أما التعويل على حليف لم يعد يحترم التزاماتهتجاه شركائه، ويجعل مصالحهم في ذيل أولوياته، فليس إلا وهما قديتحول إلى خطر داهم.




