بين الأمانة والخيانة

بقلم : مسلم بن أحمد العوائد
الأمانة قوة ومعرفة ومروءة وشجاعة وثبات في السلم والحرب، وفي الفقر والغنى، والرضا والسخط، وعليها مدار القيم والأخلاق الإنسانية، وكل النظريات القيادية والإدارية والاستراتيجية.
أما الخيانة فهي فساد ديني وأخلاقي واجتماعي واقتصادي، وتشمل خيانة الوظيفة والوطن وولاة الأمر، يشهد التاريخ أن الخيانة كانت سببا في انهيار حضارات سائدة، وسقوط دول عظمى، حتى أصبحت ضعيفة أو فاشلة.
هذا قبل…
أما بعد…
يتضح الفرق بين الأمانة والخيانة من خلال المواقف التاريخية؛ فقد شهد العالم مؤخرا اقتياد رئيس دولة غنية ذات نظام معترف به دوليا، وقوات عسكرية وأمنية، من قصره وبين حراسه، بقوة محدودة من دولة أخرى، وبُثّ ذلك إعلاميا. ولا يُفسَّر هذا المشهد إلا بخيانة مركبة من الداخل.
وفي المقابل، يبرز مثال القائد الشهيد عمر المختار رحمه الله، الذي فشل التفوق العسكري الإيطالي لسنوات في القضاء عليه وعلى رجاله؛ وقد اعترف قائدهم الميداني، بأنه لا يمكن شراء عمر المختار وأصحابه، ولا كسرهم نفسيا.
وبعد القبض عليه، حُكم عليه بالإعدام، ثم عُرض عليه العفو مقابل وقف المقاومة، وقال كلمته الخالدة: “إن السبابة التي تشهد في كل صلاة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يمكن أن تكتب كلمة باطل”.
أخيرا…
إن الفقر والظلم والفساد والتعصب، واختيار المسؤولين ضعفاء النفوس، وإبعاد الأكفاء الأمناء، من أبرز أسباب الخيانات التي تشهدها بعض دول العالم. وكذلك حين يقسم الموظف، كبيرا كان أو صغيرا، على أداء وظيفته بالأمانة والإخلاص، وحفظ المال العام، وطاعة ولاة الأمر بالمعروف. ثم يتعصب لفئة و منطقة، و يتعامل مع المال العام وكأنه حق له و لفئته، بناء على معتقدات فكرية معينة، مع تجاهل للأوامر العليا؛ فذلك خيانة صريحة، قد تصل عقوبتها في بعض البلدان إلى الإعدام، بينما يُرقّى مرتكبوها ويُمكَّنون في مفاصل الدولة في بلدان أخرى، فتكون النتيجة انهيارها وتقسيمها، ثم تصنيفها عالميا ضمن الدول الفاشلة.
ختاما…
قال النبي ﷺ:”من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئا، فولّى رجلا وهو يجد من هو أصلح منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين”، وقال ﷺ لأبي ذر: “إنك ضعيف، وإنها أمانة”.
وعلى هذا النهج كان الفاروق رضي الله عنه؛ يعزل الوالي ويحاسبه إذا رأى ضعفا في إدارته ولو كان صالحا.
ولذلك يرى أهل الأمانة أن من أفضل طرق تعزيز الأمانة في النشء والمجتمع: توجيه صريح من الجهات العليا بترسيخ عقيدة السمع والطاعة في المعروف، وهي مما يحاربه أعداء الإسلام للتحكم في الأفكار وتغيير سلوك المجتمع، والشباب خاصة. كما تُبيّن هذه العقيدة حرمة التحريض على الحكام والأنظمة، وخطر إهدار المال العام. وعندما تؤكد كل الدساتير العالمية أن المواطنين سواسية أمام القانون بلا تمييز، ثم خالف ذلك وصنّف الناس بهواه، فقد خان الأمانة.



