التأمين الصحي الشامل: جسر العدالة بين المواطن والدولة

بقلم : علي المجيني
لا جدال في أن وزارة الصحة قد بذلت جهودًا مشهودة في تعزيز الخدمات الصحية للمواطن والمقيم، ونقدم لها كل الاحترام والتقدير لما تحقق من إنجازات في مجالات الوقاية، وتوفير أسباب العافية، وتوسيع نطاق الرعاية الصحية.
فقد امتدت المستشفيات والمراكز الصحية إلى ربوع عماننا الطيبة ، من السهل إلى الوادي والجبل، حتى باتت الخدمة الصحية قريبة من كل مواطن أينما كان ، إذ بلغ عدد المستشفيات 72 مستشفى عاما و مرجعيا ، وأكثر من 240 مركزًا صحيًا، و توفير الأجهزة الطبية المتطورة ، و كذلك الكادر العماني المؤهل يملأ أقسام المستشفيات، حيث بلغ عدد الأطباء العمانيين في المؤسسات الحكومية نحو 6,800 طبيبًا يشكّلون 44% من إجمالي الأطباء، بينما يعمل 285 طبيبًا عمانيًا في القطاع الخاص.
ولا تزال الذاكرة الوطنية تحتفظ للوزارة بموقفها البطولي في مواجهة جائحة كورونا، حين تحوّلت إلى خط الدفاع الأول، ونجحت في تحقيق الأمن الصحي للمواطن والمقيم.
لكن ما إن نغادر صفحات الإنجاز حتى نصطدم بأسئلة مؤجلة ، فهناك ملفات مهمة على وزارة العافية أن تنظر إليها وتسخر إمكانياتها الضخمة لتسهيل تطبيقها على أرض الواقع بما يعود بالنفع على جميع المستفيدين.
فمنذ سنوات ظل النظام الصحي في سلطنة عمان قائمًا على مبدأ الرعاية المباشرة التي تتحمل الحكومة تكاليف العلاج كاملًا، وهو ما وفر ضمانة أساسية للمواطنين، لكنه مع مرور الوقت ذاته شكّل عبئًا ماليًا متزايدًا على ميزانية الدولة مع ارتفاع تكاليف الأدوية والخدمات الطبية المتعددة و بشكل مستمر ، فأصبح تحديا صعبا مما يفتح بابا في البحث عن حلول قادرة على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية ، و تكون كل اهداف الوزارة في تحقيق دائم ، و ينعم المواطن في هذا العقد الزمني برفاهية و سلامة و عافية صحية متكاملة .
وهنا يبرز التأمين الصحي الشامل كأحد أهم الأدوات التي يمكن أن تعيد رسم ملامح النظام الصحي وتفتح آفاقًا جديدة لتطويره.
من أحد أبرز إيجابيات التأمين الصحي أنه يخفف العبء المباشر عن ميزانية الدولة، فبدلًا من أن تتحمل الحكومة كامل تكلفة العلاج، يمكنها أن تساهم في دفع أقساط التأمين الصحي للمواطنين وهو أقل بكثير مما يتم صرفه اﻻن من موازنة الوزارة التشغيلية المعنية بتقديم كل ما تحتاجه المؤسسات الصحية من خدمات علاجية و رواتب و العديد من الخدمات المساندة ، و أن يتم الاستفادة من الامتيازات التي تقدمها شركات التأمين سواء المحلية منها او العالمية الموجودة في عمان ، مما يخلق نظامًا أكثر كفاءة واستدامة.
هذا النموذج يتيح للوزارة أن تركز جهودها على التنظيم والرقابة وتحسين جودة الخدمات في المستشفيات الحكومية الحالية ، و تكون قادرة على الاهتمام بإنشاء العديد من المستشفيات الجديدة المتكاملة حسب الموازنة اﻻنمائية الخطط لها ، و هو ما يعزز مكانتها و يجعلها قادرة على منافسة المستشفيات الخاصة ، و أبراز مكانة عمان الصحية اقليميا ، بدلًا من الانشغال بالتمويل المباشر وتعقيدات اجراءاته .
كما أن وجود سوق ممول عبر التأمين الصحي يشجع القطاع الخاص على الاستثمار في إنشاء مستشفيات جديدة في مواقع مختلفة من عمان، الأمر الذي يرفع مستوى الخدمات الصحية ويخلق فرص عمل إضافية، وهو مكسب اقتصادي واجتماعي في آن واحد.
كذلك من أبرز ما يحققه التأمين الصحي الشامل أنه يسد الفجوة بين المستشفيات الحكومية والخاصة ، فالمواطن الذي كان يرى في المستشفيات الخاصة خيارًا أكثر رفاهية وجودة، سيجد أن المستشفيات الحكومية أصبحت قادرة على تقديم مستوى مماثل من الخدمات بفضل المنافسة التي يخلقها وجود سوق ممول عبر التأمين.
هذا التوازن يضمن أن الرفاهية الصحية لا تبقى حكرًا على من يملك القدرة المالية، بل تصبح حقًا مكفولًا للجميع، حيث تتسابق المستشفيات الحكومية والخاصة لتقديم أفضل خدمة ممكنة ضمن منظومة واحدة، وهو ما يعزز العدالة الاجتماعية ويرفع مستوى الرعاية الطبية في السلطنة.
كما برز عامل مهم و ناجح يمهد الطريق لتطبيق التأمين الصحي الكامل ، حيث بدأت بعض الجهات الحكومية بالفعل في تطبيق التأمين الصحي منذ عام 2019 بقرار الهيئة العامة لسوق المال، حيث وفرت وزارة الإعلام هذه الخدمة لموظفيها، وتبعتها شركات حكومية كبرى مثل عمانتل وأوكيو والبنك المركزي العُماني والطيران العُماني ، و بقية الشركات الحكومية التابعة اﻻن الى صندوق الاستثمار .
كذلك الحال بالنسبة الى مجموعة من شركات القطاع الخاص الكبرى التي قامت بتأمين العاملين العمانيين فيها وفي اكثر من قطاع ابرزها في مجال النفط و الغاز والبنوك و التأمين و التمويل و اﻻتصاﻻت وغيرها ، فأعداد المواطنين العاملين بها ليست بالقليلة .
هذه الأعداد من المواطنين الذين تم تأمينهم سوف تقلل من حجم الفئة العددية المستهدفة في التأمين الجديد، مع العلم أن جملة هذه الأعداد التي تم تأمينها يشمل علاجها ايضا في المستشفيات الحكومية، مما يضيف عبئًا ماليًا على ميزانية الدولة، و يجعل التعميم ضرورة لتوزيع التكلفة بشكل أكثر عدالة واستدامة.
وبهذا الصدد، على وزارة العمل أن تطالب بقية شركات القطاع الخاص بتعميم التأمين الصحي الشامل لموظفيها العمانيين كحال الزامهم سابقا بتأمين القوى العاملة الوافدة ، وهو ما سيكون له أثر مباشر في تقليل عدد المواطنين الذين لم يشملهم التأمين الصحي ، فبحسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص نحو 412 ألف مواطن حتى نهاية أغسطس 2025، وهي شريحة واسعة تستحق أن تنال ذات المزايا الصحية التي حصل عليها موظفوا المؤسسات الخاصة الكبرى.
هذه التجربة العملية تؤكد أن التأمين الصحي لم يعد فكرة نظرية، بل ممارسة قائمة يمكن البناء عليها لتعميمها على جميع المواطنين، خاصة وأن هذه الميزة مطبقة في دول إقليمية منذ سنوات وأثبتت نجاحها في تحقيق العدالة الاجتماعية وتخفيف العبء عن ميزانية حكوماتها.
كما أن البنية التحتية للتأمين الصحي في عمان جاهزة بالفعل، إذ تعمل شركات محلية بارزة مثل ليڤا للتأمين، والوطنية للتأمين على الحياة والعام، وظفار للتأمين، إلى جانب شركات عالمية مثل AXA (GIG)، وMetLife، وBupa، التي تقدم تغطيات دولية واسعة عبر شبكات مستشفيات داخل السلطنة وخارجها ، هذا التنوع بين الشركات المحلية والعالمية يعكس جاهزية السوق ويؤكد أن التأمين الصحي يمكن أن يصبح ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الصحية و تعزيز مفهوم وزارة العافية.
و إجمالا إن التأمين الصحي الشامل ليس مجرد خيار تنظيمي، بل هو ضرورة وطنية تحمل في طياتها العديد من نقاط القوة: تخفيف العبء عن ميزانية الدولة، تعزيز جودة الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية، تحفيز الاستثمار في القطاع الطبي، توفير العديد من فرص عمل جديدة، ضمان العدالة الاجتماعية، رفع مستوى الصحة العامة، سد الفجوة بين المستشفيات الحكومية والخاصة، ومنح المواطن حرية العلاج ضمن منظومة متكاملة ومستدامة تتغلب على طوابير الانتظار الطويلة للمواعيد ، و تقديم العلاج المناسب ، و يعيش المواطن في كامل الرفاهية الطبية .
و لنا أن نؤكد حينها أن وزارة العافية قد أغلقت جملة تلك الملفات العالقة .
ومع هذه المزايا المتعددة، فإن تعميم التأمين الصحي على جميع المواطنين سيشكل نقلة نوعية في النظام الصحي في عمان ، ويعزز من قدرة السلطنة على المنافسة إقليميًا في جودة الخدمات الصحية، ويمنح المواطن الطمأنينة بأن صحته مصونة ضمن رعاية وزارة العافية



