الطالب العماني في الخارج: سفيرٌ بلا حقيبة دبلوماسية!

بقلم : علي المجيني
في مطار مسقط ، يودع الطالب أسرته حاملا معه حقيبة سفر مليئة بالملابس ، و بعض البهارات العمانية ، محتفظا بنصائح أهله بالتركيز على الدراسة ، وعلى أمنه وسلامته في البلد الجديد ، و مثابرا بأن لديه حلما أكاديمي ، و آمال وطن ، و ثابتا بوعي بأنه سفير عمان هناك٠
فعند التركيز على الطالب المبتعث الى الدول اﻻجنبية فإنه يصطدم بطبيعة البلد وثقافته وبالقوانين واﻻنظمة التي ﻻ تشبه اغلبها بلده ، فمعظمهم يجد صعوبة في التعايش واﻻستقرار خاصة في اﻻشهر اﻻولى ، حيث انهم يخالطون زملاءهم من بلدان مختلفة وثقافات متعددة ، فعلى الطالب المبتعث أن يهتم بأن يكون ممثلا لوطنه محافظا على هويته .
فالهوية العمانية هي مزيج من الدين الاسلامي واللغة العربية والقيم اﻻصيلة التي تميز المجتمع بروح التسامح والكرم واﻻعتزاز بالتاريخ ، فالطالب في الخارج يحمل هذه الهوية معه و يقدمها للعالم من خلال سلوكه و أخلاقه و يعكس صورة مشرفة عن وطنه .
أن يفهم أن دراسته هي الأولوية اﻻولى ، لكن حياته اليومية أيضًا تحت المجهر: الحفاظ على سمعته وسلامته، والتصرف بما يليق بصورة عماني يعيش في الخارج ، لكن بعد أشهر، يتحول السفير إلى خبير في تطبيقات توصيل اﻻكل، ومصور محترف لأطباق الإفطار.
فالطالب العماني في الخارج يجب أن يؤدي دورًا تمثيليًا حقيقيًا ، وﻻ يعيش تجربة فردية ، وﻻ يعود بشهادة فقط، بل برؤية بين التمثيل الثقافي، والاندماج الأكاديمي، والحنين إلى المجبوس .
فما هو دور الطالب العماني اﻻجتماعي والثقافي في الخارج خاصة في الدول اﻻجنبية… وهل هو سفير فعلاً، أم مجرد سائح يحمل تأشيرة دراسية .
حين يصل الطالب العماني إلى بلد اجنبي ، يبدأ أول اختبار غير أكاديمي: كيف يحتفظ بهويته دون أن يبدو غريبًا ، في البداية، يحاول التمسك باللغة و اللهجة، وحتى نوعية الطعام ، لكن سرعان ما يجد نفسه يشرح للزملاء معنى عرسية ، ويبحث عن أقرب مطعم يقدم شاي كرك دون أن يسأله النادل: هل تقصد لاتيه ؟
بعض الطلاب يذوبون في الثقافة الجديدة حتى يصبحوا نسخة مستوردة من المجتمع المضيف، بينما يصرّ آخرون على التمسك بكل تفاصيل الهوية، حتى لو اضطروا لحمل بهارات البرياني في حقيبة السفر .
فالهوية الثقافية ﻻ تُحمل في الجيب ، بل تُمارس في السلوك ، و على الطالب العماني في الخارج أن يكون سفيرا للهوية، و ليس سائحا ثقافيا يلتقط الصور أمام المتاحف ويعود .
فمنذ لحظة وصوله إلى بلد الابتعاث، يُنظر إلى الطالب العماني على أنه ممثل ثقافي ، حتى لو لم يُكلّف رسميًا بذلك ، فهو أول من يُسأل عن عمان، وعن اللباس، والعادات، وحتى عن موقع السلطنة على الخريطة.
لكن هذا التمثيل لا يأتي مع دليل إرشادي كاف ، ولا تدريب دبلوماسي يليق بحمل هويته العريقة ، فالطالب يجد نفسه يشرح الفرق بين الكبسة و المندي ، ويُجيب عن أسئلة تقليدية في بعض الدول اﻻجنبية مثل: هل تسوقون السيارات ام تركبون الجمال ؟ وتعيشون في الخيام ؟ و هل لديكم إنترنت ؟
فعلى الطلاب في حينه أن يتعاملوا مع هذا الدور بوعي وفخر، و بشكل جماعي و التنسيق مع الجهات المعنية (السفارة ، وزارة التراث والثقافة ، وزارة اﻻعلام ) و ليس بتوجهات فردية غير منظمة ، فعليهم بدافع وطني في إقامة فعاليات ثقافية، مثل معارض صغيرة عن الهوية العمانية ، و إحياء المناسبات الوطنية ، ويشاركون في النوادي الطلابية مع زملائهم من الثقافات المختلفة ، و المساهمة في المبادرات التطوعية والمجتمعية لابراز دورا في خدمة المجتمع المحيط بهم ، و ﻻ يكتفون فقط بالرد على الأسئلة المحرجة بابتسامة، ويُفضلون أن يكونوا سياحًا أكاديميين، لا سفراء.
في قاعات الدراسة بالدول اﻻجنبية، يكتشف الطالب العماني أن التحدي الحقيقي ليس فقط في فهم المادة، بل في فهم الأستاذ، والمصطلحات، ونظام التقييم الذي يبدو وكأنه يحتاج إلى شهادة أخرى لفهمه ، و يبدأ رحلته الأكاديمية وهو يحمل طموحًا كبيرًا، إﻻ أنه يصطدم بجدران اللغة، والثقافة التعليمية المختلفة، وحتى طريقة طرح الأسئلة التي لا تشبه ما اعتاد عليه.
بعض الطلاب يتأقلمون بسرعة، ويجدون في التحدي فرصة للنمو. بينما يكتشف آخرون أن الـ Wi-Fi أهم من الـ GPA، كمعدل تراكمي للدرجات ،وأن إعداد ابحاث و مشاريع بشكل جماعي يتطلب مهارات ثقافية و دبلوماسية أكثر من مادة العلاقات الدولية نفسها.
قبل أن يودّع الطالب العماني أسرته في المطار، وقبل أن يفتح حسابًا جديدًا في تيك توك بلغة البلد المضيف، هناك جهة يفترض أن تهيئه أكاديميا و فكريًا وثقافيًا ونفسيًا .
فهل يقتصر دور وزارة التعليم ( وزارة التعليم العالي والبحث العلمي واﻻبتكار ) على إصدار قرار الابتعاث وتحديد المخصصات ، أم أن عليها مسؤولية أعمق في إعداد الطالب ليكون سفيرًا واعيًا، لا مجرد مسافر يحمل ورقة قبول .
وفي غياب منصة رسمية تجمع الطلبة المبتعثين وتُيسّر لهم تبادل الخبرات، برزت في بداية هذا العام اﻻكاديمي مبادرة طلابية لافتة -مشكورين عليها – تمثلت في إنشاء حساب @abroad.om على الإنستغرام، ومجموعة تواصل عبر تطبيق ( واتس آب ) ، أطلقها الطلبة العُمانيون بأنفسهم ، هذه المنصة، التي تحمل شعار بعثتي ، ، تقدم محتوى تثقيفياً وتجاربا واقعية ، ونصائحا عملية حول الدراسة في الخارج، وتغطي دولاً متعددة مثل أمريكا، بريطانيا، كندا، وأستراليا .
إنها ليست فقط وسيلة تواصل، بل تعبير عن وعي طلابي متقدم، يملأ فراغاً كان يفترض أن تتولاه وزارة التعليم .
ومع ذلك فمن الضرورة أن تبدأ الرحلة بندوة او ورشة تعريفية لا تكتفي بشرح كيفية فتح حساب بنكي ، بل تمكن الطالب أنه لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل وطنًا بأكمله.
فبدل جلسة فقط -كما هو قائم – و سريعة في احد قاعات الوزارة تجمع الطلبة المبتعثين والتي تستمر لساعتين ﻻ أكثر ، فمن الاولى أن يتم تخصيص أسبوعا كاملا قبل الابتعاث :
* يوم للقوانين والأنظمة
* يوم للثقافة و الهوية والسلوك
* يوم للتوجيه الأكاديمي
* يوم للسلوك الاسلامي والشعائر الدينية
* يوم للتأهيل النفسي
* يوم لإدارة الوقت والمال
* و يوم للحوار مع مبتعثين سابقين .
في كل يوم يقوم مختصون من جهات مختلفة من تقديم المحاضرات و المناقشات التي تساهم في خلق رؤية واضحة للمبتعث ، تجعله بعد ان يحمل حقيبة سفره ، في حمل وطنه وثقافته معه .
فالطالب السفير لا يُصنع في ساعة، بل في دورة و ورشة عمل مكثفة ، فعلى الوزارة ان تتحول من جهة إدارية إلى جهة تربوية، تُرافق الطالب فكريًا قبل أن تُرافقه ماليا .




