المقالات

بين دونالد ترامب وجو بايدن

بقلم: الدكتور سالم الشكيلي

انتهت الانتخابات الأمريكية، وانفضّ المولد بعد إعلان فوز جو بايدن بفارق كبير على منافسه الرئيس الحالي دونالد ترامب، وعاد الكساد لبرامج التحليل السياسي، التي استضافت من تمّت تسميتهم بالخبراء العسكريين، والمحللين الاستراتيجيين، وكثير منهم لم نسمع بهم، ولكن تمّ جلبهم من أجل تسويق أفكار معينة والترويج لها، وقد ملأوا القنوات الفضائية قبل وخلال تلك الانتخابات، بعضهم ربما أصاب والبعض الآخر لم يحالفه الحظ في التوقعات، وبدا بعض العالم فرحاً، وبعضه الأخر حزيناً خاصة جزء من العرب الذين انفقوا على حملة ترامب سراً باعتباره الشريك الأكبر لهم، والداعم والمدافع عنهم في مؤامراتهم في إثارة النزاعات والقلاقل في أماكن شتى من هذا الكوكب الذي نعيش عليه .

نعم انتهت الانتخابات الأمريكية، لكنّ الجدل لم ينته حول سياسة الرئيس المنتخب، فالبعض يضرب اخماساً بأسداس، استناداً على ما جاء في حملته الانتخابية من وعد ووعيد ضد بعض الشخصيات السياسية وبعض الدول، من أنه سيعمل على تصفية الحسابات معها، فيما البعض الأخر يهلل ويبشر بمجيئه وكأنه – استغفر الله- المهدي المنتظر، ولا يخلو تصرفهم هذا من الشماتة ضد أنصار ومؤيدي ترامب ليس إلا.

توقفت أشياء كثيرة في العالم بانتظار العشرين من يناير، حتى لبنان الغارق في أزماته السياسية والاقتصادية، آثر التمحّك عن تشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة تصريف الأعمال المستقيلة، وارتهن شأن البلد على هذا اليوم الموعود، إذ باتت القوى السياسية تتباطأ في التوافق على تشكيل الحكومة العتيدة، علها تكسب مكاسب جديدة بعد بداية عهد بايدن الذي يُنظر له على أساس أنه حلّال العُقد في العالم والمنطقة العربية بالذات.

على مهلكم أيها القوم، فكم من المرات يتجدد ذات السيناريو، يذهب رئيس أمريكي ويأتي آخر، لا فرق بين رئيس ديمقراطي ورئيس جمهوري، فثوابت السياسة الأمريكية لا تتغير بتغيّر الرؤساء، فها هي قضية فلسطين المحتلة عمرها ما يزيد على سبعين سنة، وكل رئيس يأتي يطلق يد إسرائيل تفعل ما تشاء في الأراضي المستعمرة من قتل وتشريد وسجن وضم لأراضي جديدة، تبني عليها مستوطناتها، وكل ما تفعله أي ادارة هو تعيين مبعوث للشرق الأوسط .

وها هو بايدن يصرح قبل جلوسه على كرسي البيت الأبيض، بالقول: إنه من الصعب العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وقد ملأتم آفاق الدنيا صراخاً عندما جاء اوباما، فاستقبلته الدول العربية استقبال الفاتحين، فلم يفعل شيئاً، بل إن معظم النكبات والنكسات العربية حصلت في عهده وهو ديمقراطي، وهو اليوم ينشر غسيل العرب وغير العرب من خلال مذكراته المسماة ” أرض الميعاد “.

ما يهمنا قوله هنا، أن ترامب وبايدن واوباما وجورج بوش الأب والابن، وكل الرؤساء السابقين واللاحقين هم في نهاية المطاف ماركة أمريكية مادية تعمل على استمرارية تخويف الجميع وخاصة دول الشرق الأوسط الضعيفة الواهنة، التي استسلمت منذ عقود طويلة، بسبب هذه الحالة المزمنة عندها، وبسبب الأوهام التي نسجوها، وجعلوها حقيقة، بقدرة أمريكا على أن تكون الملاذ الآمن لهم، وهم يدركون، بالتجارب، أن ذلك غير صحيح، وأن أمريكا تحمي مصالحها فقط، وعندما ترى أن مصالحها انتهت عند هذا الطرف أو ذاك، رمَتهم رمي الكلاب، لكنه الجبن والخوف والتخاذل الذي نما وترعرع في نفوس الكثير من دول عالمنا العربي والإسلامي، بل ودول العالم، باستثناء دولة واحدة استطاعت أن تسبب صداعاَ مزمناً لأمريكا، وهي كوريا الشمالية.

وعلى أية حال، فإنّ ما أفرزته الانتخابات الأمريكية الأخيرة، هي فقاعة الديمقراطية التي كان الأمريكيون، بل وحتى المتأثرين بالثقافة الأمريكية، يتباهون بها ليل نهار ، تهاوت في غمضة عين، فظهر في الحملات الانتخابية المال الفاسد، وكأنها إحدى دول العالم الثالث، وبرز نفوذ اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط الأخرى، والإعلام الموجه الذي يُحرك الزوايا إلى اليمين واليسار.

ثقوا يا سادة بأن شيئًا لن يتغيّر في السياسة الأمريكية الخارجية، فإلى أولئك الفرحين بفوز بايدن، نقول لهم، إنه لن يرغم إسرائيل على فعل ما لا تريده، ولن يجبرها على تنفيذ القرارات الأممية، التي صدرت ضدها ولم تنفذ قراراً واحداً، ولن يمنعها عن التوسع الاستيطاني، ولن يسعى إلى حل الدولتين، والأيام بيننا .

أحد الساسة الامريكين يقول عن أي رئيس يتم انتخابه ” في السنتين الأوليتين، يعمل على جعل ناخبيه ينسون ما وعد به في حملته الانتخابية، وفي السنتين الأخيرتين يعمل على إقناع ناخبيه بأكاذيب جديدة .
فستذكرون ما أقول لكم ، والسلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى