القيادة الصورية

بقلم : مسلم بن أحمد العوائد
القيادة الصورية أو الشكلية تعبير عن الوضع الذي يجري خلف ابواب بعض منظومات القيادة، حيث يبدو للناس ان صاحب المنصب هو القائد الفعلي، يستقبل الضيوف، ويعتمد القرارات، ويفتتح المشاريع، ويعلن الاستراتيجيات، وتُعلَّق صوره في كل مكان،وتُنسب إليه الإنجازات . بينما القيادة الحقيقية بيد بطانة متغلغلة في مفاصل المنظومة، تتحكم في رسم السياسات والتعيينات وفقا لمصالح خاصة. ومن أخطر صور القيادة الصورية وجود مجموعات حزبية أو عسكرية تدين بالولاء لقيادات خارجية، وتتلقى منها التوجيهات والأوامر، وتتجاهل تماما منظومة القيادات الداخلية. وقد قادت تلك القيادات مجتمعاتها الى شتات وانفلات. والواقع الإقليمي خير شاهد على ذلك.
هذا قبل…
اما بعد…
شهد التاريخ نماذج للقيادة الصورية، ففي أواخر الدولة العباسية أصبح بعض الخلفاء قيادات صورية، لهم القصور ومظاهر الترف، بينما كانت السلطة الفعلية بيد البويهيين ثم السلاجقة. وانتهت الدولة العباسية بعد أكثر من خمسمائة عام، بعد ان اُُضعفت العقيدة، واُُقصت الكفاءات، واُرهق الناس بالجباية، فزاد الفقر والظلم، فكانت النهاية. وهذا درس تاريخي واقعي لا ينبغي أن يغفل عنه أهل البصيرة.
فالمتأمل في الساحات الفكرية والسياسية يدرك حجم الاستهداف الذي تتعرض له العقيدة والثوابت، عبر صناعة حسابات صورية ، تؤجج المجتمعات على حكوماتها، وقيادات صورية تحول مؤسسات الدول إلى هياكل شكلية، واجتماعات وضجيج إعلامي، دون أن تنعكس على معيشة الناس.
اخيرا..
وضوح العقيدة والثوابت الوطنية هي البوصلة التي تضبط القيادة الفعلية، والولاء والعدل والأمانة و النصر والاستقرار. ذكر اللواء محمود شيت خطاب في كتابه “بين العقيدة والقيادة”، أن الانتصارات الكبرى لم تتحقق إلا بقائد ذو عقيدة واضحة، وكفاءات مخلصة، وان اعداء الأمم لا يتمكنون من إسقاط القيادات الفاعلة إلا بعد إضعاف العقيدة والقيم وإقصاء أهل الكفاءة، وارهاق الناس بالجباية والفقر، حتى تنزع عقيدة الولاء والانتماء من قلوب الناس.
ختاما…
استعمرت فرنسا الجزائر نحو (130) عاما، وسعت بكل ما تملك من قوة لتغيير عقيدتها وهويتها ولغتها، لكنها فشلت. حين قام العالمان الجليلان عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي رحمهما الله – وقادة اخرين – فعلموا القرآن واللغة العربية والهوية الوطنية. فنهض الشعب الجزائري الحر ،وطرد المستعمر، وهرب صارخا مقهورا : “ماذا اصنع اذا كان القرآن اقوى من فرنسا”.
فالمتتبع للأحداث الشرق اوسطية الأخيرة، يرى ان أقوى سلاح استراتيجي على الإطلاق هو العقيدة والثوابت الدينية والوطنية، التي رسخت تلاحم القيادات الفعلية مع شعوبها في مواجهة التحديات والأزمات العالمية والاقليمية.
وهذا التلاحم نتيجة طبيعية لما تغرسه محاضن التربية: الأسرة، والمسجد، والمدرسة؛ من العقيدة والقيم، والولاء والانتماء. فكيف يُفرَّط بهذا السلاح الاستراتيجي لصالح بطانات تعمل ليل نهار لتحقيق مكاسبها الفئوية والخاصة، على حساب الناس، فتُرهقهم بالجبايات والظلم والفقر ؟.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.




