من حرب أربعة أيام إلى حرب الجبهات الأربع ؟!

بقلم: جمال بن ماجد الكندي
في صباح الثامن والعشرين من فبراير بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تنفيذ سيناريو كان معدًّا مسبقًا بضغطٍ إسرائيلي، وكان هذا السيناريو يقوم على حربٍ سريعة لا تتجاوز أربعة أيام، يتحقق من خلالها الحلم الصهيوني-الأمريكي بتغيير النظام الإيراني، وإنجاز ما فشلت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل سابقًا عبر استثمار المظاهرات الإيرانية الأخيرة لإسقاط النظام.
فماذا حدث؟ وكيف فشل المخطط؟ وماذا بعد ذلك؟ هذا ما سنحاول بيانه في هذا المقال، مع قراءةٍ لما نراه على الأرض منذ الثامن والعشرين من فبراير، وتوقع السيناريوهات القادمة.
في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية تحدث الرئيس الأمريكي بأن هذه الحرب ستكون في أربعة أيام، والكيان الصهيوني قال بأنها حرب استباقية، والتصريحات الأمريكية تتغير مع مجريات الحرب والمفاجآت، وهذا الأمر تعودنا عليه من الرئيس الأمريكي.
كان السيناريو مبنيًّا على الحرب الخاطفة وقطع الرأس الكبرى في إيران مع مجموعة كبيرة من القادة العسكريين والسياسيين في الضربة الأولى، وبعدها يحدث الشلل التام في البنية السياسية والعسكرية في إيران يتيح للشعب الرافض للحكومة الإيرانية الخروج والابتهاج، وفي وسط الفوضى يأتي الأمريكي بالحل من خلال حكومة على المقاس الأمريكي الإسرائيلي.
هذا هو سيناريو حرب الأربعة أيام، فهل تحقق؟!
الوقائع على الأرض وتضارب التصريحات الأمريكية يثبت فشل المشروع، فبعد أقل من ساعتين من العدوان الأمريكي الإسرائيلي تم استهداف إسرائيل، وهذا لم يكن مفاجئًا؛ ففي حرب 12 يومًا استهدفت إسرائيل، وكانت القدرات الإيرانية حاضرة ومؤثرة.
ولكن المفاجأة التي أفشلت مخطط حرب الأيام الأربعة، ومن خلالها بدأت المنطقة تدخل إلى نفق مظلم نتمنى الخروج منه في أسرع وقت ممكن، هي الحرب الشاملة العسكرية والاقتصادية والسياسية. ويكمن ذلك في ضرب القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، وبعدها في الأردن وقبرص، والمسبحة تجر.
هذا التطور الكبير، وبعد فقط ساعتين من القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران، فاجأ ترامب ومن معه، وخاصة بعد إعلان مقتل المرشد الإيراني في الضربة الأولى. وبعد هذا الإعلان ظن من خطط لهذه الفوضى العسكرية والاقتصادية في المنطقة بأن الأمر سيستغرق باقي الأيام الأربعة، وتعود إيران للحضن الأمريكي عبر الشارع الإيراني الذي سيحتفل بزوال السيادة العسكرية والدينية والسياسية في إيران.
والذي حدث مظاهرات واسعة في إيران، ولكنها في طلب الثأر. وهذا يدل على جهل الإدارة الأمريكية ومن معها بتركيبة المجتمع الإيراني، وماذا يعني المرشد الأعلى فيه؛ فهو ليس منصبًا سياسيًا فقط، بل هو رمز ديني يمثّل تأثيرًا يتجاوز حدود إيران، وهذا ما حصل.
ماذا بعد؟!
نستطيع تقسيم الحرب، بعد فشل مشروع الأيام الأربعة، إلى أربعة جبهات تحارب فيها إيران منذ بدء هذه الحرب. وهذه الجبهات الأربع، بحسب المخطط الإيراني السياسي والعسكري، يعتقد بأنها مؤثرة وستجبر الأمريكي والإسرائيلي على قبول وقف إطلاق النار وفق الشروط الإيرانية، وليست وفق مبادئ ترامب الاستسلامية.
وهذه الجبهات الأربع، وخاصة الثلاثة التي سنذكرها، سيكون بالطبع هناك رد أمريكي وإسرائيلي عليها، وهو ما نشاهده على الأرض. فالمعادلة الجديدة: تضرب أضرب، ومن يتألم أكثر هو الذي سيقبل بوقف إطلاق النار حسب شروط الطرف الآخر.
جبهة إسرائيل: وهي في الصواريخ التي تسقط على الكيان الصهيوني بعد ساعتين من الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران. وقوة هذه الضربات تذكّر الإسرائيليين بالأيام الأخيرة من ناحية الشدة والقوة في حرب الاثني عشر يومًا. هذه الجبهة تعوّل عليها إيران كثيرًا؛ فهي ستقيس مدى صبر المجتمع الإسرائيلي على مسألة الغارات واللجوء إلى الملاجئ.
وقد قويت هذه الجبهة أكثر بعد عدة أيام مع دخول المقاومة الإسلامية اللبنانية بضرب الشمال الإسرائيلي، وحتى تل أبيب. وكانت المفاجأة ليست في دخول حزب الله ساحة المعركة بحد ذاته، بل في القوة النارية والقدرة على وقف أي زحف بري في جنوب الليطاني، ويعد ذلك فشلًا استخباراتيًا كبيرًا للكيان الصهيوني في عدم تقدير قوة حزب الله بعد وقف إطلاق النار؛ إذ كان الإسرائيليون، وحتى بعض الأوساط في الداخل اللبناني، يعتقدون أن الحزب قد ضعف في بنيته العسكرية والسياسية بعد حربه الطويلة في مساندة جبهة غزة.
في هذه الجبهة، والتي نستطيع أن نقول إن هناك تأييدًا شعبيًا كبيرًا لها على مستوى الشارع العربي والإسلامي وحتى العالمي، بسبب جرائم الاحتلال الإسرائيلي على مدى أكثر من عامين في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا والعراق، وقد اتسمت هذه الصواريخ بالتدرج السريع، مع استخدام استراتيجية الإغراق الصاروخي في البداية بهدف استهلاك مخزون الدفاعات الجوية في إسرائيل. وطبعا كانت هذه الجبهة متصلة بالجبهة الثانية الأمريكية، والتي سنتحدث عنها بعد هذه الجبهة، والتي تمثلت في بدايتها بضرب المنظومة الرادارية للقواعد الأمريكية في منطقة الخليج والأردن وقبرص.
وقد رأينا مخرجات ذلك عسكريًا في اليومين السابع والثامن من الحرب، بوصول الصواريخ الإيرانية مع تأخر صفارات الإنذار عن الموجات الأولى من هذه الصواريخ ووفق التقارير الإعلامية، فإن هناك تدرجًا في عدد الصواريخ والمسيرات بهدف إشغال منظومة القبة الحديدية واستنزافها، ثم وصول الصواريخ الثقيلة في اليوم السادس والسابع والثامن، ومنها صواريخ فرط صوتية يصعب على الدفاعات الإسرائيلية اعتراضها، وبعضها يحمل رؤوسًا انشطارية،وقد شوهد أثر ذلك في عدد من الضربات التي رافقها تكتم إسرائيلي واضح على حجم الخسائر، خاصة مع استخدام صواريخ مثل سجيل وعماد وخرمشهر.
هذه الجبهة، كلما كانت قوية، أجبرت إسرائيل على طلب وقف إطلاق النار كما حدث في حرب الاثني عشر يومًا عندما طلب نتنياهو ذلك. وهي الجبهة التي تحظى بمباركة وتأييد شريحة كبيرة جدًا من الشارع العربي، ولا يوجد خلاف عليها، وهي من الجبهات التي يمكن أن تغيّر المعادلة التي رسمتها أمريكا لحرب خاطفة لمدة أربعة أيام.
فكلما طالت مدة الحرب كان الاستنزاف أكبر، وكانت قدرة الجبهة الداخلية في إسرائيل أضعف على التحمّل، وقد بدأ الصراخ الإسرائيلي يُسمع بوضوح مع استمرار الضربات اليومية من توقف. ولذلك تراهن طهران على أن استمرار الضغط الصاروخي على المدن الإسرائيلية لن يكون مجرد رد عسكري، بل أداة سياسية تدفع الحكومة الإسرائيلية في النهاية إلى البحث عن مخرج عبر وقف إطلاق النار.
الجبهة الثانية: جبهة أمريكا
وهي جبهة استهداف القواعد الأمريكية في منطقة الخليج والعراق والأردن وصولًا إلى قبرص. ويقوم عمود هذه الجبهة على ضرب البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة، وقد تطورت بشكل لافت منذ اليوم الأول للحرب.
فمع استهداف العمق الإسرائيلي، جاءت المفاجأة للإدارة الأمريكية في القرار العسكري الإيراني باستهداف هذه القواعد، والتي بدأت مفاعيلها تظهر إعلاميًا مع إخراج بعض القواعد الأمريكية في الخليج من الخدمة، أو تعطيل جزء من كفاءتها القتالية واللوجستية.
وقد تجلّى ذلك خصوصًا في استهداف الرادارات الأمريكية في قاعدة العديد، وكذلك قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، إضافة إلى ضرب رادارات منظومة ثاد في منطقة الخليج والأردن.
وتعد هذه الجبهة مهمة جدًا بالنسبة للقوات الصاروخية الإيرانية؛ لأنها تقطع “العين الأمريكية” في المنطقة، أي القدرة على الرصد والإنذار المبكر. كما أنها، بحسب زخم الصليات الصاروخية والطائرات المسيّرة، تعد الأولى من نوعها في استهداف القواعد الأمريكية داخل الجغرافيا الخليجية.
وهنا تكمن المشكلة في استهداف الدول الخليجية التي توجد على أراضيها قواعد أمريكية؛ فالأمر يختلف عن الجبهة الأولى التي تحظى بإجماع واسع في الشارع العربي، لأن المستهدف فيها هو الكيان الصهيوني. أما في جبهة أمريكا كما سميناها، فالمستهدف هو قواعد لوجستية وعسكرية أمريكية مهمة، لكن الإشكال يكمن في وجودها داخل أراضٍ خليجية، وهو ما قد يخلق فجوة سياسية ودبلوماسية مع دول الخليج، يسعى الأمريكي والإسرائيلي إلى استغلالها كلما طالت مدة الحرب لصالح معركتهما مع إيران.
هذه الجبهة معقّدة جدًا؛ فهي مهمة بالنسبة للإيرانيين، وتؤلم الأمريكيين لأنها تستهدف قدراتهم العسكرية واللوجستية. كما أنها تمثل المكان الأقرب الذي تستطيع من خلاله إيران الرد على الولايات المتحدة وإجبارها، مع الجبهة الأولى، على القبول بوقف إطلاق النار.
وقد ظهر ذلك في طلبٍ أمريكي مبكر لوقف النار بعد الأيام الأولى من الحرب حين بدأ يتأكد فشل سيناريو حرب الأيام الأربعة، وذلك عبر وسيط إيطالي كما تسرب في بعض وسائل الإعلام الأمريكية، وهو ما رفضته إيران، مما يعكس خطأً استراتيجيًا في تقدير نتائج الانتقال من المفاوضات إلى الحرب.
أما بالنسبة لدول الخليج، فهذه الجبهة تبقى إشكالية سياسيًا، لأن الاستهداف يطال قواعد أمريكية موجودة على أراضيها. ومع أن إيران تؤكد أن الاستهداف موجّه للقواعد الأمريكية وليس للدول الخليجية نفسها، إلا أن هذه المسألة قد تصبح أحد أبرز التحديات السياسية بعد وقف إطلاق النار فيما يتعلق بإعادة العلاقات الإيرانية الخليجية إلى طبيعتها.
ومع ذلك، بدأت هذه الجبهة تؤتي بعض نتائجها العسكرية بالنسبة لإيران، مع تصاعد التحذيرات والتهديدات الأمريكية، نتيجة استهداف القواعد العسكرية والمدمرات الأمريكية، إضافة إلى حاملة الطائرات، وهي تطورات يتكتم الجانب الأمريكي على كثير من تفاصيلها.
وكل ذلك يشكّل وسائل ضغط عسكرية وسياسية تدفع الولايات المتحدة إلى مراجعة مسار الحرب والعودة إلى خيار التفاوض بدل الاستمرار في خيار تغيير النظام.
الجبهة الثالثة: الجبهة الاقتصادية
وهي الجبهة الاقتصادية بامتياز، وتتمثل أساسًا في إغلاق مضيق هرمز إغلاقًا جزئيًا أو كليًا. وهذا الأمر له تأثير كبير في أسعار النفط والغاز في المنطقة، ولا يقتصر تأثيره على الدول التي تدير الحرب مع إيران، بل قد يمتد حتى إلى حلفاء إيران مثل الصين. ويمر عبر مضيق هرمز نحو 22% من تجارة النفط العالمية، أي ما يقارب 20 مليون برميل نفط يوميًا، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. ولذلك فإن أي إغلاق جزئي أو كامل للمضيق قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 120–150 دولارًا للبرميل خلال فترة قصيرة، وهو ما قد يسبب صدمة طاقة عالمية تمتد آثارها إلى الاقتصاد الدولي بأكمله.
ومع ذلك، فإن هذا السلاح، حتى وإن كان قد يؤثر على إيران نفسها، إلا أنه بالنسبة لها سلاح ردع اقتصادي وأداة ضغط كبيرة، خاصة إذا ترافق مع الجبهتين الأولى والثانية في محاولة فرض وقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وكلما ارتفعت أسعار النفط إلى أرقام قياسية غير مسبوقة، وهو السيناريو الذي يعوّل عليه الإيرانيون، فإن ذلك قد يخلق ضغطًا اقتصاديًا عالميًا على الدول التي بدأت الحرب من أجل إنهائها، بدل الاستمرار في معادلة تغيير النظام.
لجبهة الرابعة: وهي جبهة لا تتعلق مباشرة بالمعركة العسكرية، بل ترتبط بالبعد الديني بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. ويمكن تسميتها الجبهة الدينية، لأنها تتصل بأتباع المذهب الشيعي الذين يُعدّ خامنئي مرجعًا دينيًا وسياسيًا لهم.
وفي حال صدور فتوى دينية بالانتقام والثأر من قتلة المرشد، فإن الأمر قد يتجاوز مسألة وقف إطلاق النار، لأن مثل هذه الفتاوى لا تكون خاضعة بالكامل للحسابات السياسية، بل تتحول إلى حالة تعبئة دينية وسياسية واسعة.
وهذا السيناريو قد يمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية في المنطقة، وقبلها لإسرائيل.
ختامًا، فإن توسع هذه الحرب لا يخدم استقرار المنطقة، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن الخليج، خاصة مع انتقال الصراع إلى استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة. ولذلك يبقى الأمل في أن تسهم الجبهات الثالثة في دفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، فاستقرار الخليج يظل مصلحة مشتركة لدول المنطقة، في وقت بدأت فيه واشنطن تدرك أن تغيير النظام في إيران بالقوة العسكرية ليس خيارًا واقعيًا، لا عبر أدوات الداخل ولا عبر المواجهة المباشرة. ولذلك قد تتحول هذه الحرب، التي بدأت على أساس سيناريو أربعة أيام، إلى درس استراتيجي جديد يؤكد أن حروب المنطقة أسهل في إشعالها من القدرة على إنهائها
.




