المقالات

الأنواء المناخية الأخيرة وضرورة مراجعة التخطيط العمراني في عُمان

بقلم : سعيد بن محمد الرواحي

منذ إعصار جونو، لم تهدأ أصوات المواطنين والخبراء المطالبة بإعادة النظر في أسس التخطيط العمراني، خصوصا فيما يتعلق بتوزيع البنية التحتية، ومواقع المخططات السكنية والتجارية، وآليات الحد من الأضرار الناتجة عن الحالات الجوية الاستثنائية. ومع كل منخفض جوي شديد أو حالة مطرية غزيرة، تعود هذه المطالبات إلى الواجهة،كضرورة وطنية تمس سلامة الإنسان واستدامة التنمية.

لقد كشفت التجارب المتكررة أن هناك حاجة للتيقن من مدى جاهزيةالمدن والتجمعات السكنية وقدرتها على استيعابها. فهناك مخططات عمرانية اعتمدت قبل إعصار جونو ، في فترة زمنية لم تشهد حالات مطرية شديدة منذ أواخر التسعينات، حين كان التوسع العمراني محدودًا، والكثافة السكانية أقل بكثير مما هي عليه اليوم. هذا الواقع التاريخي انعكس على طبيعة التخطيط، الذي لم يُبنَ على فرضيات المخاطر العالية، ومستجدات الآثار البيئية الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري وتقلبات الطقس التي ترافقها.

اليوم، ومع التوسع الحضري المتسارع، باتت التحديات أكثر تعقيدًا. فقد أظهرت الحالة الجوية الأخيرةوالتي اتسمت بغزارة غير مسبوقة(وصلت 355ملم في احدى الولايات)  – حجم الفجوة بين التخطيط النظري والواقع الميداني. فقد سُجلت أضرار كبيرة في المساكن والمنشآت، وتعرضت أحياء كاملة للغمر بالمياه، بما في ذلك مناطق حيوية في العاصمة مسقط مثل المعبيلة الصناعية. كما برزت مشكلة تصريف المياه كأحد أبرز الاختناقات، ما يعكس حاجة ملحة لإعادة تقييم شبكات التصريف، لتكون اكثر ملاءمة لطبيعة الأرض ومسارات الأودية.

ولعل إحدى القصص الواقعية في ولاية سمائل تختصر هذا الخلل ببلاغة. فقد اختار أحد الشباب قطعة أرض بين مزارع النخيل لبناء منزله، وحصل على الموافقات الرسمية، وبدأ في التشييد. غير أن بعض كبار السن في المنطقة حذروه، مستندين إلى ذاكرة قديمة، منأن وادي سمائل كان قد بلغ تلك المنطقة في سنوات سابقة، رغم بعدها الظاهري عن مجرى الوادي. لم يأخذ الشاب بهذه النصيحة، وأتم بناء منزله واستقر فيه، حتى جاءت حالة مطرية شديدة، فاجتاح الوادي الموقع ذاته، وتعرض المنزل لأضرار جسيمة.

هذه الحادثة يمكن الاستفادة منها كدلالة عميقة على فجوة بين المعرفة المحلية المتوارثة، والآليات الرسمية للتخطيط. فالتخطيط العمراني يجب أن يُبنى على فهم شامل للبيئة، يشمل التاريخ والذاكرة المجتمعية،والقراءات الميدانية الدقيقة.

إن إبداء مثل هذه الملاحظات ليس الهدف منها  التقليل من جهود الجهات المعنية، بل السعي إلى تعزيزها وتوجيهها نحو مزيد من التكامل والواقعية. ومن هذا المنطلق، يمكن طرح عدد من التوصيات العملية للتعامل مع الامر ألخّصها في الآتي :

إعادة تقييم المخططات القائمة، خصوصًا تلك التي أُنشئت قبلعام 2007، في ضوء المعطيات المناخية الحديثة.

إدماج دراسات حركة المياه في جميع مراحل التخطيط،بما يشمل نماذج محاكاة الفيضانات ومسارات الأودية.

تعزيز الزيارات الميدانية قبل اعتماد أي مخطط، وعدمالاكتفاء بالبيانات المكتبية.

الاستفادة من المعرفة المحلية عبر إشراك كبار السنوسكان المناطق في مراحل التخطيط، باعتبارهم حاملي ذاكرة المكان.

تطوير شبكات تصريف المياه لتكون أكثر كفاءة ومرونة،وقادرة على التعامل مع الحالات الاستثنائية.

مراجعة اشتراطات البناء في المناطق القريبة من الأودية،بما يضمن تقليل المخاطر على الأرواح والممتلكات.

نعلم أن منع وقوع الكوارث الطبيعية أمر شبه مستحيل ، ولكن الحل يكمن في تقليل آثارها عبر تخطيط ذكي، يستوعب دروس الماضي،ويستشرف تحديات المستقبل.

ختاما، أظل أستعير القول المأثور: “أهل مكة أدرى بشعابها، كمبدأ تخطيطي راسخ ينبغي إدماجه ضمن أدوات صناعة القرار، عبر استحضار الذاكرة المكانية والاستفادة من خبرات كبار السن،بوصفهم حَمَلة تاريخ المكان وذاكرة حية لتحولاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى