صحار: منصة الاستثمار ونموذج يحتذى لتعميم التنمية في محافظات عُمان

بقلم : علي المجيني
في صحار، حيث يلتقي البحر بجبال الحجر، وحيث تتعانق طرق التجارة مع أصوات الموانئ، تولد الفرص و تتحقق الطموحات .
ومن صحار، وبكل فخر ، انطلقت سلاطين عمان وبثت كل أوجه الرخاء واﻻستقرار في ربوع عماننا الغالية .
فاليوم , ومن صحار ، يربط اﻻستثمار كأحد أذرع سمو عمان على الخارطة الدولية ، فهي ليست كأرقام جامدة أو عقود موقعة، بل كحكاية وطنية تُروى للأجيال، تجمع بين الطموح المحلي والشراكات العالمية، وتفتح أبواب المستقبل أمام عُمان لتكون جسرًا بين الشرق والغرب، وميدانًا تتلاقى فيه الأفكار والموارد لتصنع قصة نجاح جديدة.
فقد جسّد منتدى صحار للاستثمار 2026 هذه الرؤية حين طرح نحو 50 فرصة استثمارية بقيمة تقارب 300 مليون ريال عماني، بمشاركة وفود من أكثر من 30 دولة، ليؤكد أن المحافظة قادرة على أن تكون منصة اقتصادية عالمية.
فالملتقى لا يكون مجرد اجتماع اقتصادي، بل هو ساحة لتبادل الخبرات، و توقيع الاتفاقيات، واستكشاف الفرص التي يمنحها الموقع الاستراتيجي لصحار على خطوط التجارة العالمية.
إن الفرص الاستثمارية التي طرحها المنتدى لم تكن مجرد عناوين عامة، بل مشاريع محددة موزعة على قطاعات حيوية ، فقد شملت الصناعات الغذائية والدوائية التي تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي والدوائي المحلي، والصناعات الحديدية والألمنيوم التي تضيف قيمة للموارد المعدنية وتدعم قطاع البناء والتصدير، والصناعات البلاستيكية التي تخدم مجالات التعبئة والتغليف ، كما تضمنت مشاريع لإعادة التدوير في المعادن والبلاستيك والورق، بما يعزز الاقتصاد الدائري ويحافظ على البيئة.
وفي مجال الطاقة المتجددة، طُرحت مشاريع للطاقة الشمسية والرياح لدعم التحول نحو اقتصاد نظيف ومستدام.
أما الخدمات اللوجستية، فقد ركزت على إنشاء مراكز توزيع إقليمية مرتبطة بميناء صحار والمنطقة الحرة لتسهيل حركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وفي السياحة، جرى الإعلان عن تطوير فنادق ومنتجعات ساحلية ومشاريع سياحة تراثية تعكس تاريخ صحار العريق.
كما شملت الفرص الاستثمارية مشاريع الابتكار والتقنيات الحديثة في الصناعة الذكية والروبوتات والتحكم الآلي، مع برامج لتأهيل الكوادر الوطنية وربطها بالتقنيات العالمية.
إن هذه المشاريع الاستثمارية لا تقتصر على تعزيز الناتج المحلي ورفع حجم الصادرات، بل تمتد لتخلق فرص عمل جديدة للعمانيين الباحثين وتؤهل الكوادر الوطنية بما يتناسب مع متطلبات السوق الحديثة ، كما تسهم في تنويع مصادر الدخل عبر السياحة والخدمات، وتدعم الاستدامة البيئية من خلال مشاريع الطاقة النظيفة، فضلًا عن ترسيخ مكانة صحار كمحور اقتصادي عالمي يربط الشرق بالغرب.
وعلى الصعيد الاجتماعي، فإنها تعزز جودة الحياة للمواطنين عبر توفير بنية تحتية متطورة وخدمات حديثة، وتفتح آفاقًا أوسع للشباب للمشاركة في بناء مستقبل اقتصادي مزدهر.
لقد نجح مكتب محافظ شمال الباطنة في تحويل فكرة المنتدى إلى واقع عبر سلسلة من الخطوات العملية تبدأ بحصر الفرص الاستثمارية وتقييم جاهزيتها، ثم التنسيق مع غرفة التجارة والصناعة والجهات الحكومية لتوفير الحوافز، وصولًا إلى دعوة وفود من أكثر من ثلاثين دولة وتنظيم لقاءات مباشرة مع المستثمرين.
كما عمل على تجهيز البنية التحتية للملتقى والترويج الإعلامي له، ليكون منصة للتوقيع على الاتفاقيات ومذكرات التفاهم ومتابعة تنفيذها.
هذه الإجراءات المتكاملة أثبتت فعاليتها في جعل هذا المنتدى اﻻقتصادي نموذجًا ﻻ بد أن يُستنسخ و يحتذى به لتطبيقه في بقية المحافظات، بحيث تُبنى المنتديات الاستثمارية على مقومات كل محافظة وتُدار بخطوات مدروسة تضمن الجاهزية والشفافية وتفتح أبواب التنمية المتوازنة في مختلف أرجاء السلطنة .
إن توزيع التنمية على مختلف محافظات السلطنة ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو ركيزة أساسية لخدمة المجتمع ، و التوازن في اتاحة الفرص ، فكل محافظة تمتلك مقوماتها الخاصة التي تجعلها قادرة على استقطاب مشاريع نوعية، سواء في الصناعة أو السياحة أو الزراعة أو الخدمات ، وعندما تُعرض هذه الفرص بشكل واضح ومتكامل أمام المستثمرين، فإنها تتحول إلى محركات للنمو المحلي، وتُسهم في خلق وظائف جديدة، وتدعم استقرار المجتمعات .
كما يجب أن تتكامل الجهات الحكومية المعنية في تقديم الحوافز وتسهيل الإجراءات اﻻمر الذي يضمن أن تتحول هذه المقومات إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع، بما يعزز مكانة السلطنة كوجهة استثمارية واعدة في المنطقة.
وبهذا يصبح الاستثمار أداة لتوزيع التنمية بشكل متوازن، ويُترجم رؤية عُمان 2040 إلى واقع ملموس يشارك فيه المواطن والمستثمر معًا.
من صحار لا تنطلق السفن محملة بالبضائع فحسب، بل محملة بآمال وطنٍ تكتب فصوله القادمة بلغة الاستثمار، ويُعلن أن المستقبل ليس وعدًا بعيدًا، بل واقعًا يُبنى اليوم بأيدي أبنائه وشركائه من العالم .



