الامن الغذائي مسارا ضروريا لحل الازمات الجيوسياسية

بقلم : علي المجيني
إن موقع عمان الجغرافي جعلها تملك مقومات اقتصادية كبيرة، وأصبحت بفضل سياساتها الحكيمة ذات دور بارز في حل القضايا السياسية على المستوى الإقليمي، حتى غدت محل تقدير عالمي لجهودها في نشر مظلة السلام.
فقد ساهمت في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يزال بابها مفتوحًا للوصول إلى تفاهمات تقلل من انعكاسات الحرب الدائرة، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز. ونقول بكل فخر: إن الحل دوما في مسقط .
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تقلبات سياسية وصراعات جيوسياسية متزايدة، أصبح الأمن الغذائي قضية وجودية لا تقل أهمية عن الأمن العسكري أو الاقتصادي .
إذ إن الحروب والأزمات لا تقتصر آثارها على الحدود السياسية، بل تمتد لتطال حياة الناس اليومية، حيث ينعكس عدم الاستقرار مباشرة على أسعار السلع الغذائية وتوفرها، ويهدد قدرة المجتمعات على الصمود.
ومن هنا، برزت سلطنة عمان برؤيتها الاستراتيجية واضعة الأمن الغذائي في صدارة أولوياتها، باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والسياسي، ووسيلة عملية لمواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية.
ففي المجال الزراعي أطلقت السلطنة مشاريع حديثة في الزراعة المائية والبيوت المحمية التي تقلل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 90٪ مع إنتاج مستمر من الخضروات والفواكه. كما دعم صندوق التنمية الزراعية والسمكية أكثر من 64 مشروعًا بقيمة تجاوزت 10 ملايين ريال عُماني، شملت إنتاج بذور وتقاوي المحاصيل.
ومن أبرز المبادرات أيضًا مشروع المليون نخلة الذي ترافق مع إنشاء مصانع تحويلية لتعبئة وتصنيع منتجات التمور مثل الدبس ومسحوق التمر، إضافة إلى مشاريع القيمة المضافة كالأعلاف والألياف، مما يعزز التكامل بين الزراعة والصناعة ويمنح التمور العُمانية قدرة تنافسية عالمية.
وفي جانب الثروة الحيوانية، وقعت السلطنة اتفاقية استراتيجية مع البرازيل لتوفير اللحوم الحمراء والدواجن عبر شراكة مع شركة JBS العالمية، إلى جانب مشروع البشائر للحوم الحمراء الذي يُعد من أكبر المشاريع الحيوانية بطاقة إنتاجية بعشرات آلاف الأطنان سنويًا، ويضم حظائر حديثة ومجزر متكامل لتغطية الطلب المحلي وفتح آفاق للتصدير. كما يجري العمل على مشاريع جديدة في تربية الماشية والأغنام باستخدام تقنيات حديثة لتحسين الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كما برزت شركة مزون للألبان كأكبر مشروع متكامل في هذا القطاع، بطاقة إنتاجية تصل إلى مليون لتر يوميًا من الحليب، مع قدرة استيعابية تصل إلى 25 ألف بقرة، واستثمارات تجاوزت 100 مليون ريال عُماني. تنتج الشركة أكثر من 220 نوعًا من منتجات الألبان ومشتقاتها، ورفعت نسبة الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع إلى أكثر من 90٪، مما جعلها ركيزة أساسية في الأمن الغذائي الوطني.
في في قطاع الدواجن، أنشئت مزرعة الخليج الدولية للدواجن في عبري بطاقة إنتاجية تصل إلى 350 مليون بيضة سنويًا، لتصبح من أكبر مزارع البيض في الخليج. هذا المشروع رفع نسبة الاكتفاء الذاتي في بيض المائدة إلى أكثر من 67٪، مع خطط للتوسع لبلوغ مستويات أعلى، بما يضمن استقرار السوق المحلي ويعزز فرص التصدير.
هذا و يشكل قطاع الثروة السمكية أحد أعمدة الأمن الغذائي في السلطنة، حيث بلغ إنتاج الاستزراع السمكي عام 2025 نحو 9240 طنًا بزيادة تقارب 68٪ عن العام السابق. ومن أبرز المشاريع استزراع الروبيان والكوفر الأوروبي والبلطي والصفيلح العُماني، إضافة إلى مشروع استزراع المحار في جزيرة مصيرة الذي يستخدم أحدث التقنيات العالمية. هذه المشاريع لا تقتصر على تغطية الطلب المحلي فحسب، بل تستهدف أيضًا التصدير للأسواق الآسيوية والعالمية.
و لم يقتصر الاهتمام على الإنتاج الأولي، بل امتد إلى الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة مضافة. من أبرزها مصانع تعبئة وتغليف وتصنيع التمور المرتبطة بمشروع المليون نخلة، ومصانع إنتاج الأعلاف من المخلفات الزراعية والحيوانية، إضافة إلى مصنع السكر في صحار بطاقة إنتاجية تصل إلى مليون طن سنويًا، ومشاريع تصنيع الأغذية مثل دبس التمر ومسحوق التمر ومنتجات الألبان المضافة.
و إدراكًا لأهمية تنويع مصادر الغذاء، تعمل السلطنة على الاستثمار الخارجي في دول إفريقية وآسيوية ذات وفرة غذائية لتأمين الإمدادات في أوقات الأزمات، إلى جانب تعزيز التعاون الخليجي لإنشاء سلة غذاء مشتركة، بما يرسخ التكامل الإقليمي ويعزز الاستقرار الغذائي طويل الأمد.
إن تحقيق الأمن الغذائي في سلطنة عمان يتطلب الجمع بين المشاريع الاستثمارية القائمة والرؤى المستقبلية التي تضمن الاستدامة. ومن أبرز المقترحات التي يمكن أن تعزز هذا المسار: إنشاء صندوق وطني للأمن الغذائي ينسق بين القطاعين العام والخاص، ويعمل على تمويل المشاريع الزراعية الحديثة مثل الزراعة المائية والعمودية، إلى جانب دعم البحوث العلمية في مجالات تحسين التربة وإدارة المياه. كما يمكن أن يشكل التعاون الخليجي في بناء ( سلة غذاء مشتركة) خطوة استراتيجية لتأمين الإمدادات في أوقات الأزمات، مع التوسع في الاستثمارات الخارجية في الدول ذات الوفرة الزراعية.
إن هذه الرؤية تجعل من الأمن الغذائي ليس مجرد استجابة ظرفية، بل مشروعًا وطنيًا طويل المدى يرسخ الاستقرار ويعزز مكانة عمان كدولة قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.




