المقالات

الطريق للخروج من عنق الزجاجة

بقلم: أحمد المعمري

الاقتصاد هو عصب الدولة، وأساس من أسس تأسيس الأمصار والمدن، وبقوته يخرج الناس من طور البداوة التي يكون فيها الفرد مقاتلا من أجل أساسيات الحياة، إلى طور غدق العيش والإنفاق على الرفاهية، فإن انتقل الناس من طورهم الأول إلى طورهم الثاني فلا يرضيهم ذلك بتاتا، لأنهم ألفوا النعمة وتقلبوا فيها، لذلك تجد الواحد منهم مع تغير الحال يحاول التشبث بنفس العيشة السابقة ولو اقتراضا، وهذا من شأن النفوس لا شأن العقول، فالنفوس تميل للدعة والراحة وتَحْمل صاحبها على ذلك، وليس للعقل ذلك اللجام عليها إلا على القليل من الناس.

إن انحدار المنحنى من الترف للشظف في أي أمة يعد رسالة إنذارية إن هذه الأمة تتجه نحو النفق المظلم ما لم تنتشل نفسها، وإثر ذلك تظهر علاقة عكسية بين انحدار الاقتصاد وارتفاع حدة سخط الناس، ويزيد الأمر سوء باتساع الهوة بين عامة الناس والطبقة البرجوازية في الدولة، خصوصا حين تتصرف أو تتحدث هذه الطبقة بشكل لا مبال للأوضاع الشعبية، ويصل الأمر إلى ذروته حين ينزل الكثير من أهل الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الأدنى في الدولة، لأن أعينهم كانت تتطلع للأعلى ولكنهم أصيبوا في مقتل، فتجد إن غضب هؤلاء يوازي غضب الطبقة الأدنى رغم اختلاف المعيشتين، لأن الدرجة الأدنى ستنزل لخط الفقر، وهذا أراه جليا عيانا وليس من رأى كمن سمع، وهذا يخلق حالة من التذمر من أي شيئ، حتى تلك المشاريع التي يكون فيها مصلحة لهم ولكنهم لا يرونها كذلك، لأنهم يرونها مشاريع ورقية أو مشاريع تخدم أصحاب تلك الطبقة المخمرية، وإن كانت ليست كذلك بتاتا، وتشبه هذه الحالة حالة الران الذي يصيب القلوب، فتصل لمرحلة لا يدخل إليها النور لتراكمه، وكذلك ههنا فتزايد الانحدار يزيد يوما بعد يوم من هذا الران الذي يجعل الناس لا ترى حتى المشاريع الواعدة واعدة، ولا الأرقام المبشرة مبشرة، لكن هذه نتيجة وليست سببا، والسياسة تعالج الأسباب لتغيير النتيجة.

إن أكبر مستفيد من هذا الوضع هم الطبقة المخملية، الذين كانوا يلهثون في العمل حتى لا يصعد بعض أهل الطبقات المتوسطة إلى مستوى طبقتهم، فيزاحموهم على امتيازاتها ومستوى رقيهم، والذي بدوره يشعل المنافسة التي قد يكونون إحدى ضحاياها بتفوق بعض الصاعدين عليهم، وفي نظرهم القاصر إن بعد هذه الطبقة عنهم يتيح لهم الارتياح والتربع على عرش الاقتصاد دون منافسة شرسة، ولم يدروا أن هذه المنافسة تضمن لهم التطور والصعود المستمر، وبذلك تصبح لديهم شركات إقليمية ومحيطية، فانغلاقهم هذا على الدولة ووضع الشروط التعجيزية للشركات المنافسة يكسبهم هيمنة داخلية يحبون التمتع بها، لأنهم يرون أنفسهم كالنجوم التي يحلم الناس فقط بالوصول إليها، ويضرب بها المثل في العلو واللمعان.

إن أول الحلول التي يجب العمل بها، أن يأخذ هذا الأمر بالرغبة والرهبة، فهما ميزان الملك ما اعتدلا إلا واعتدل كل شيء، ولا يكون إنجاز الوعد دون إنجاز الوعيد، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، وقد قال وأحسن النابغة الجعدي بهذا الباب:
ولا خير في حِلْمٍ إذا لم تكن له .. بوادر تحمي صفوه أن يُكَدَّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له .. حليمٌ إذا ما أوردَ الأمر أصدرا
ففي الحلم خير في أمور كثيرة .. وفي الجهل أحيانا إذا ما تعذَّرا
فإن كان هناك ثقب  في الإناء سيذهب أفضل المجهود هباء، وقد قال بشار بن برد:
مَتى يَبلُغُ البُنيانُ يَوماً تَمامَهُ         إِذا كُنتَ تَبنيهِ وَغَيرُكَ يَهدِمُ
 
بعد معالجة المشكلة الأخطر التي تعوق جل الاقتصادات، سأنظّر الحل الأمثل لهذه الأزمة، إننا نعتمد في نهضتنا على الاقتصاد البطيء النمو، وليس لهذا الأسلوب إلا ميزة واحدة، وهي تجنب الخسائر المدوية، وظهر هذا جليا في الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، لكن جل تلك الدول التي تضررت رجعت أحسن منا بمراحل فلكية في وقت قصير، وأسس هذه النظرية بسيطة جدا وهو تجنب المغامرة حتى المحسوبة منها، فإنه يتجنب الاقتراض بقدر الإمكان أو القرض الكبير، فالشخص الذي لديه أرض تجارية بمكان ممتاز سيبني فيها طابقين او ثلاثة بقدر استطاعته بدين خفيف، وينتظر طويلا حتى يدفع أغلب دينه ليتوسع مرة أخرى، وإن فشل فسيكون فشله بسيطا، وهذه المرحلة فقط هي الأولى من مشروعه ولكنها تستهلك قرابة العشر سنين، فهل رأى أحد تاجرا أو دولة مزدهرة اقتصاديا تعتمد هذه النظرية؟ الجواب قطعا لا، فأغلب هذه الدول الصاعدة بنت كل ما بنت في غضون سنوات قليلة بديون استثمارية هائلة ولكن بمغامرات محسوبة، فالذي بنى شقة كبيرة وفي موقع استراتيجي لا ينتظر حتى يدفع دينه كله بل يبني بعدها بقليل الثانية والثالثة وكل منها تقوم بحمل دين الأخرى، ويشترط لنجاح هذه الاستثمارات أن تمر على عقول مستثمرين ومستشارين أكفاء وهناك شركات كبرى لذلك، وبهذه الطريقة يبني هؤلاء الأثرياء مستعمراتهم الاقتصادية في عمر قصير، بينما الطريقة التي ننتهجها تحتاج لعمر نوح حتى تصل للمراحل التي وصولها قبلنا بعقود.
 
فتركيز الدولة على دفع الدين لسنوات عديدة يعد مرهقا للاقتصاد الداخلي والناس، لأنه يستهلك من عمر مواطنيها ويراهن على صبرهم، ولا يتوقف الأمر هنا، فإننا نحتاج بعد السنين التي نحتاجها لدفع الدين إلى عشر أو عشرين سنة أخرى لبناء مشاريع كبيرة واعدة لنخرج من عنق الزجاجة من اعتمادنا على النفط، لكننا في وقت نحتاج فيه أن نداوي الدين بالدين، فاستقراضنا لسد الكماليات في  الميزانيات السابقة أرهق الدولة، مع مشاريع صغيرة ومتوسطة لا تستطيع القيام بنفسها، لذلك نبقى معتمدين على النفط حتى ينتشلها من هذه الأزمة، ومن المعلوم أن المراهنة ليست خطة تتخذها حكومة، بل هو ضرب من الحظ والمقامرة في المصير، لذلك أرى إنه لو كان هناك تمويل كبير يصل لعشرة مليارات وأكثر ببداية الازمة لبناء مشاريع ضخمة وإقليمية كانت هذه المشاريع اليوم قيد التشغيل، وبدأت برفد الدولة بالأموال مع النفط وبها اكتسبنا عامل الوقت وعامل توفير الوظائف، ومنها ومن نفسها يتم رد الدين، وقد قال أحد حكماء العرب: أن تصل متأخرا خيرا من أن لا تصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى