المقالات

لزهرَة رَبٌ يَحمِيها

‫‬‎
بقلم:عائشة السيفية

نشرت عائشة السيفي مقالاً في مدونتها الخاص ونقلت “وهج الخليج” مقالها كتالي:

زهرَة، أمٌ مطلقَة لثلاثة أطفَال.. تعمَلُ منذ السادسَة صبَاحاً في حضانَة صغيرَة للأطفال للآبَاء متوسطي ومحدودي الدخل، بسبب انخفاض الرسوم الشهريّة تقبض زهرَة وزميلاتها راتباً أقل من الراتب الأدنى من بابِ المسؤولية الاجتماعيّة لكي لا يتضرر الأهَالي برفعِ الرسومِ الشهرية عليهم لتغطيَة تكاليفها، وفي الإجازة الصيفيَة حينَ ينقطع الأطفال عن الحضَانة تضطر وزميلاتها للتناوب في الخرُوج في إجازة بدون رَاتب.. في المسَاء ترَى زهرَة بسيَارتها في الشَارع وهي توصل بعض الأطفال كسائقَة بأجرَة شهريّة لأنشطَة ريَاضيَة مختلفة. زهرَة وأخريَات، يقمنَ حَالهنّ وحَال عوائلهن يوماً بيوم.. زهرَة وآلاف آخَرونَ هم الحلقَة الأضعف والطرَف الأكثر تضرراً في هذهِ الجائحة التيْ لم يشهَد العَالم أجمع مثلهَا. يا ترَى ما الذيْ فعلهُ المجتمع من أجلهم؟

ولأننا في عُمان لم نستوعِب بعدُ مفهُوم التَكامل الوطني في أزمَاتٍ كهذهِ بين الحكُومة وأطيَاف الشَعب، نفتقرُ حتَى الآن والأسوَأ يزدادُ سوءاً يوماً بعد يوم إلى حرَاك وطني رصِين لتمويل فئات المجتمَع المتضررة من قرارات الحَجر وإيقاف المدارس.

ففي الوقتِ الذيْ يتسَابقُ فيه رجَال الأعمَال في الدولِ المجاورة للإعلان عن تبرع تلو الآخر لمسَاندَة حكُوماتهم-الأكثر يُسراً معيشياً من عُمان- ، فذاكَ يتبرع بخمسين سيَارة إسعاف، وآخر بمركز أبحاث للفيروسَات، وآخر يتكفّل بكفَالة 1000 دينَار لكل أسرَة متضررة من قراراتِ الحَجز، وتقَام صنَاديق الدَعم في دُول العَالم لضمان الحَد الأدنى الشهرِي لفئات المجتمع المتضررةِ، يبدُو من غير المفهومِ تنَحي الشَارع العُماني وأثريائه تحديداً عن تولي عجلَة القيادَة لمبَادرَات حقيقيّة فاعلَة لمسَاندَة الحكُومة في أزمَة سقوط أسعَار النفط التي توشِك أن تصلَ لقيمَة الكلفَة في إنتاج البرميل ما يعني تكبُد الخسَارة عوض الربح. ولكنّ العقلية هنا واحدَة: للبلادِ ربٌ يحمِيها.. وهي حتماً ليسَت مسؤوليتي ولكنها مسؤوليَة الحكُومة..

يدعَم هذا الموقفَ، الرسائل التي يتداولها الشارع عن بعضِ الرؤساء التنفيذيين العمانيين ممهدِين لأزمَة تسريح لموظفيهم، والتي لا تنم إلا عن رسَالة واحدَة: يوم تسلَم ناقتي، ما علي من رفَاقتي.. أو مواصلة الشركَات الحكُوميّة منح العلاوات السنويّة لموظفيها متجاهلةً آثَار أسوأ أزمَة اقتصاديّة واجتماعيّة وصحيّة تشهدُها السلطنة منذ تأسيس الدولَة الحَديثة.

يا أهلَ عُمان.. ما الذي يجعل المسؤول الحكُومي في عُمان وهوَ يبعث برسَالة تمهيديّة لتسريح موظفيِه، مختلفاً عن المسؤول الإيرلندي الذي يبعث لموظفيه مطمئناً: لن يسرّح أحدٌ منكم ، أنا وكلّ طاقم الإدارَة التنفيذية سنعملُ ب50% من رواتبنا التي ستذهب لإعاشتكم حتى تنتهي الأزمَة. سنعبُر معاً هذهِ العاصفَة!
ما الذي كانَ سيحدثُ لوِ اقتطعَ موظفو الشركَات الحكُوميَة -والكثير منهم من ذوِي الروَاتب الخيَاليّة- 20% من رواتبهم خاصةً تلك التي تتخطى 3000 ريال لصندُوق إغاثَة الأسر المتضررة والتي لا تشمَل فقط العُمانيين ولكن اخوَاننا الوافدين من عمال المطاعم والمحلات والباعة المتجولين ممن لا يجدُون إلا رمقَ يومهم؟

أينَ هوَ دَورُ بنُوك السلطنة الخَاصة بأربَاحها الضوئيّة لتأخير سداد القرُوض لأصحَاب الدول المحدود أو تسطِيح الفوائد ل1% حتى انتهَاء الأزمَة؟ أينَ هيَ المؤسسات الكُبرى في عُمان من استلام زمَام القيَادة للتكاتف في أزمَةِ تكسيرِ عظامٍ للفئات المستضعفة؟

سيأتي القائل: لماذا أتبرع براتبي والوزير والمستشار والوكيل يستلم بحبُوحَة راتبه.. إنها مشكلَة الحكُومة فليتولاهَا أربابها! وهذَا لا يخلُو من صوَاب

حسناً ما الذي كان سيحدثُ لو اقتصَتِ الحكُومة 40% من راتب الصف الأوّل من الوزرَاء والسفرَاء وجيُوش المستشارين الحكُوميين والمسؤولينَ الذينَ تعجُ بهِم الحكُومة؟ متى نشهَدُ لأوّل مرةٍ في عُمان، حراكاً يتصدّى لتحمّل تبعَاتهِ المسؤولُ أولاً قبلَ أيّ شخصٍ آخر؟

وإذا لم تكُن هناكَ مبَادرَات حقيقيّة ، ما الذي كانَ سيحدثُ لو نزَلت الحكُومة قليلاً عن بُرجها العَاجي وحثّتْ رجَال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص مثلَ قطاع الاتصالات، والبنُوك، والتموين السِلعي وأطيَاف الشعب إلى المساهمَة في صندُوق الدعم المجتمعيّ لأزمَة كُورونا، أسوَةً بما فعلتهُ دولٌ مجَاورَة؟
أينَ نحنُ بعتَاد المتعلمين منّا وحملَة الشَهادات من حرَاك وطني رصين لإدارَة الموَارد في ظلّ الأزمَة؟ ما الخَير في كل هذا الاستثمَار التعليمي لأبناء البلد الذينَ يقفون جميعاً في موقف المتفرج أمَام سفينةٍ تغرق؟
نحنُ نقفُ اليَوم حيَال تابُو مجتمعي كبير سببهُ غيَاب العَدالة الاجتماعيّة – كما يعزُوه المستشرق الياباني نوبوكي ناتوهارا- في المجتمعات العربيَة والتي تؤدي إلى شعًور المجتمع بعدم حاجتهِ للمساهمَة مع الحكُومة في الأزمات لأنّ هنالك فئة معينَة تستحوذ على خيَرَاتها في أوقات النِعم، وعندما تعصفُ الأزمَات الاقتصاديّة تأخذ مؤسسات القطاع الخاصّ والمدني دورَ المتفرج ملقينَ المسؤولية على الحكومَة باعتبَارها المعيلَ الوحيد للمجتمع في أزماتٍ كهذه. ويقَارنُ ذلكَ بينَ ثقافَة اليابان وثقافَة مصر حيثُ يشعرُ الياباني بالتزَامه التام بنظافة المرافق العامَة تماماً كمرافقِ بيتهِ الخاصَة، بينما يلمحُ ناتوهارا أنّ الشَوارع ومداخل البنايات المشتركَة متسخَة للغايَة في القَاهرة ولكنّ البيوت تبدُو نظيفَة منذ دخُول الزائر عتبَة البيت الخاصِ للمواطن..
غيَاب المسؤوليَة المجتمعية والحس المشترَك بين الدولَة والفرد هو سبب ذلك
ويضَاف لذلك طغيَان الوطنيّة “الشّعاراتيّة” التيْ تجعلُ رئيس الشركَة الحكُوميّة أو المسؤول الحكوميّ يلبس الوشَاح المزين بأعلام السلطنة في العيد الوطني لأنهُ وطنيّ ويحبُ عُمان، ولكنّهُ يأخذ دورَ الراكب عندمَا تعصفُ الأزمَة بأمثال زهرَة ِ وأبناء وطنهِ الآخرين وتغيبُ المبَادرَة الحقيقيّة عن المسَاهمة الماليّة الفرديّة لإنقاذ القَارب: قاربُ الحكُومة والشّعب.
هكذا تضيع البوصلَة وتتنافر بين أقطَاب الحرَاك الوطني ويضيع معها وطن نعرفه في الأغَاني والأوشَحة والأهازيج ونُضيعهُ عندما تقبلُ العاصفَةُ وتحمِلُ زهرَة ومن معهَا في قاربِ المعَاناة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى