المقالات

قراءة متأنية في زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى مسقط

بقلم:جمال الكندي

في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي توجد صفحات عسكرية وسياسية رسمت معالم هذا الصراع؛ فمنذ ظهور الكيان الصهيوني السرطاني في جسد الأمة العربية دارت معه مواجهات عسكرية تبعتها اتفاقات سياسية، فقد كان أبرز عناوينها العسكرية، حرب 48، وحرب 67، وحرب النصر العربي في 1973م، كل هذه الحروب كانت لاسترجاع أراضي مغطصبة من قبل إسرائيل كونها دولة إحتلال.
بعد هذه الحروب المباشرة تباينت العلاقة العربية مع المحتل الإسرائيلي، خاصةً في ظل اتفاقية “كامب ديفيد” ووادي عربة”. هاتان الاتفاقيتان قسمتا العالم العربي إلى ثلاثة أقسام من الدول -إن صح التعبير- وهي: دول “السلام مع إسرائيل”والتي لها علاقات دبلوماسية معها، (مصر والأردن) ، ودول معادية لإسرائيل وهي سوريا، لم توقع إتقاقية سلام مع إسرائيل،وهنالك منظمات مدعومة من سوريا تجابه إسرائيل عسكرياً مثل “حركة حماس ،و”حزب الله” والجهاد الإسلامي وغيرها من الحركات القومية الوطنية في فلسطين.

أما القسم الثالث فهو: دول ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ولا تجمعها حدود مشتركة معها، ولا تتبنى شعار الحرب ضدها، ولكنها تتضامن مع الشعب الفلسطني، وضد التوجهات الصهيونية في فلسطين، وضد أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، وهذه تمثل أغلب الدول العربية.
إن للشعوب العربية في عقلها الجمعي والوجداني صورة لإسرائيل لم ولن تتغير؛ فهي كيان محتل، زرع في فلسطين من قبل بريطانيا بوعد قطعه وزير خارجيتها عام 1917م،وأسس بذلك نواة الصراع العربي الإسرائيلي.
من ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا كلمة إسرائيل تعني في الوعي العربي، “كيان غاصب قاتل احتل وشرد شعب فلسطين”.
العرب أمام صورتين شبه متناقضتين في التعامل مع إسرائيل : الأولى شعبوية تحركها المشاعر الجماهرية للشارع العربي وأسميها “حقيقة ثابتة” ، هذه الحقيقة لا يقدر أحد سواء كان رئيساً أو سياسياً أو كاتباً أن ينكرها أو يغيرها، في وجداننا العربي، ومفادها أن إسرائيل كيان صهيوني محتل وقاتل لإطفال فلسطين قبل رجالها ونسائها، وهذا ما تحاول إسرائيل تغييره في العقل العربي عبر التطبيع.
الصورة الثانية هي: “الواقع المعاش” ، وهذا الواقع هو الذي تضطر من خلاله الدول ذات النوع الأول والثالث من وراء الكواليس التعامل مع إسرائيل بحدود معينة، عنوانها حل الصراع العربي الإسرائيلي من أجل السلام في المنطقة.
من هنا تبدأ المفارقة، وندخل من في دائرة التناقض بين الشارع العربي وساسته؛ فالواقع يقول بوجود إسرائيل كدولةً معترفاً بها من أغلب دول العالم، ويصطدم بالحقيقة في أنه محتل ولابد أن يرحل، ولايقبل منه أي شكل من أشكال التطبيع حتى ولو كان سياسياً .
زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى مسقط دخلت هذه الدائرة، فخلقت بيئة للتجاذبات الكلامية والسياسية في مدى إمكانية لعب دور معين لسلطنة عمان في تقريب وجهات النظر بين الفلسطنيين والإسرائليين، والسؤال المهم هنا هل هذا اللقاء يعد تطبيعاً سياسياً؟؟ والسؤال الثاني: هل تحولت عمان من الصنف الثالث إلى الصنف الأول، وأقصد التي لها علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني؟ والجواب معروف.

ولنا هنا وقفة مفادها أن الاعتراف بهذا الكيان بأنه أمر واقع لا يمر إلا عبر بوابة السلام في المنطقة ، ونجاحها لا يكون إلا بوجود شريك فلسطيني موحد تجاه قضيته ومقبول لدى شعبه وهذا يعني اتفاق الفلسطينيين في الضفة الغربية، وقطاع غزه،
من هذه الزاوية لابد لوجود ميسر مقبول لدى جميع الأطراف يستطيع حلحلة وتحريك المياه الراكدة في سير المفاوضات الفلسطينية الفلسطينية، و الإسرائيلية الفلسطينية المتعثرة.
زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى مسقط تدخل في هذا الإطار السياسي، مع ثبات الحقيقة التاريخية في تصنيف هذا الكيان بأنه محتل ومجرم وإرهابي .
لكن إلى متى سيظل يقتل ويحتل ؟ وهل توجد طريقة توقف هذا الدم الفلسطيني المهدور على أرضه؟ وترجع حقه المسلوب ، وتكون له دولة بحدود 67 عاصمتها القدس الشرقية مع حق العودة لمن شردتهم إسرائيل ؟.
هذا هو السؤال الكبير الذي ظل العرب يحاولون الإجابة عليه عن طريق السلاح،و المفاوضات مع هذا الكيان الصهيوني، فتنجح القوة مرة وتنجح السياسة مرة، المهم عدم التخلي عن الخيارين.
سلطنة عمان ليست دولة صغيرة في المنطقة، ولها تاريخ عريق وكبير ، وسياساتها الخارجية منذ تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم معروفة؛ فهي تلاقي قبولاً واسعاً من دول العالم كونها تتبنى الحياد الإيجابي في قضايا المنطقة.
عمان مقبولة عند أطراف النزاع في الشرق الأوسط؛ فالكل يعلم دورها الفاعل في إنجاح الاتفاق النووي الإيراني مع (مجموعة 5+1 )، ودورها الحيادي تجاه الأزمة السورية؛ فهي مرحب بها لدى الحكومة السورية والمعارضة ، وقد استقبلت الوفدين في مسقط.
عمان لم تشارك في إراقة الدم اليمني، بل كانت المتنفس لحكومة صنعاء، والمرحب بها في حكومة هادي كوسيط نزيه يقف على خط واحد بين المتخاصمين في اليمن .
هذه الأمور ليست بغائبة عن العقل السياسي الأمريكي والإسرائيلي؛ لذلك يراد لعمان أن تلعب دوراً مهماً في عملية إحياء مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فعمان تعتبر قناة اتصال مهمة، مع من ذكرناهم ومع “الدول المعادية لإسرائيل مثل سوريا وإيران”.
إن خيارات الحرب مع إسرائيل، وسط تنامي القوة العسكرية الإيرانية، وخروج سوريا منتصرة من حربها على الإرهاب، ووجود حليف قوي بجانبها وهو الروسي، يضعف هذا الخيار.
من هنا كانت أهمية سلطنة عمان في إيجاد الحلول السياسية المقبولة عند الفلسطينيين والإسرائيليين بالتيسير كما قال وزير الشؤون الخارجية العماني “يوسف بن علوي” عن طريق إيجاد أفكار جديدة تحرك المياه الراكدة .
نحن نعلم أن مشهد زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى عمان مستفز لدى شريحة كبيرة في الشارع العماني و العربي، والخوف بأن ذلك يعني التطبيع مع العدو الإسرائيلي في محله ، ولكن لابد من النظر إلى الزيارة على أنها تأتي ضمن سياقاتها السياسية؛ فقد سبقتها زيارة رئيس السلطة الفلسطينية “محمود عباس”، فلو كانت بغرض إقامة علاقات سياسية وتجارية لما سبقتها الزيارة الفلسطينية، وهنالك زيارة قام بها الوزير “بن علوي” إلى فلسطين بعد زيارة “نتنياهو”وهذا يضع زيارة الأخير في مسار احياء عملية السلام.

سلطنة عمان بقيادة حكميها تسعى دوماً كونها تملك القابلية السياسية في حقن دماء العرب في اليمن وسوريا والعراق، وقبل كل هذه الدول فلسطين الحبيبة؛ لأنها تعاني من الاحتلال منذ 70 سنة ، وهذه حقيقة لا نقدر أن نتجاهلها، ولكن هنالك واقع لابد من التعامل معه وفق مسارات سياسية معينة ربما تكون علنية اللقاء في مسقط من بينها، وأكرر: إن ذلك لا يعني التطبيع مع إسرائيل، وكما قال “بن علوي” المستقبل القريب سيظهر لنا نتائج هذا اللقاء،وقد سربت صحيفة “يسرائيل هايوم” خبراً على لسان مصدر سياسي إسرائيلي”أن السلطان قابوس استطاع تغيير رأي نتينياهو حول ملفين أو قضيتين لم يكشف عنهما المصدر”
ختاماً نقول مهما حدث وسيحدث فالحقيقة التاريخية الثابتة هي أن إسرائيل العدو الأول للعرب؛ لذلك نحن ضد أي شكل من أشكال التطبيع مع الصهاينة، وفي المقابل نترك للساسة المجال، فلهم معطيات نحن لا نعلمها ربما تخدم القضية الفلسطينية، ولا نرضى أبداً المساس بقيادتنا السياسية في عمان وعلى رأسها السلطان قابوس؛ لانها ببساطة كانت ناجحة في جل القضايا التي كانت تعلب فيها دور الوساطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى