القضاء والولاء

بقلم : مسلم بن أحمد العوائد
هناك ارتباط وثيق بين الولاء والقضاء؛ فكلما وثق الناس بنزاهة القضاء واستقلاله، ترسخت ثقتهم بمؤسسات الدولة، وتعزز ولاؤهم لها. ولا يمكن للقضاء أن يؤدي دوره في إصدار أحكامه وقراراته باستقلالية إلا في ظل إرادة سياسية تصون العدالة وتحمي النظام القضائي.
يُنسب إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أنه قال، أثناء الحرب العالمية الثانية وبعد الهجوم الكبير على العاصمة لندن: “إذا كان القضاء بخير، فبريطانيا بخير.” ويقال أيضا في المعنى نفسه: “الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش.” وذلك لأن أهم عناصر قوة الدول هي العدل وسيادة القانون، وليست القوة العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية وحدها.
هذا قبل…
اما بعد…
تؤكد الحوادث التاريخية أن ضعف القضاء يقود إلى ضعف الولاء، ثم إلى انعدام الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، ولا سيما عندما يتدخل أصحاب النفوذ في الأحكام، وتعلو سلطة المناصب والمال والفئوية على سيادة القانون، ويُطبَّق القانون على الضعفاء دون الأقوياء. ومن شواهد عصرنا أنظمة سادت وطغت وتجبرت، ثم انهارت بين ليلة وضحاها. وكان من ابرز اسباب ذلك ضعف القضاء، وإقصاء الكفاءات، بل وسجنها، ومنع أهل العلم والإصلاح من الدعوة إلى الخير. ثم كانت النتيجة، كما سجلها التاريخ القريب، انهيار النظام، وانكشاف فضائحه التي لا تكاد تُحصى، بينما بقي الدين، والوطن، والعدل، والكرامة الإنسانية قيما ثابتة.
اخيرا…
تحاكم الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويهودي إلى قاضي المسلمين شريح في قضية الدرع، فحكم القاضي بالدرع لليهودي، فكان ذلك سببا في إسلامه عندما رأى نزاهة القضاء وعدله واستقلاله. وفي عصرنا هذا، يشهد العالم قضاة في دول غربية يُبطلون مراسيم رئاسية، ومع ذلك يحترم رؤساء تلك الدول أحكام القضاء ويلتزمون بها، مما يعكس أن نزاهة القضاء واستقلاله من أهم أسباب نهضة الدول واستقرارها.
وفي المقابل، شهدت الدولة العباسية في أواخر عهدها ضعفا في القضاء، فاهتز الولاء والثقة بمؤسسات الدولة، وكان ذلك من الأسباب التي عجلت بسقوطها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.”
ختاما…
ومن الأمثلة التاريخية التي يصعب تجاهلها ما حدث في الأندلس؛ فبعد نحو ثمانية قرون من الازدهار الحضاري والعلمي، ضعفت المؤسسة القضائية، وانتشر الفساد، وتفككت مؤسسات الدولة، ثم ضعف الولاء، حتى انتهى الأمر بسقوط تلك الحضارة العريقة.
فحين يضعف القضاء، الذي يُعد أقوى أركان بناء الدول، يزداد الظلم والقهر والفقر، ويضعف الولاء، وتصبح الدولة عرضة للاضطراب ثم الانهيار. وقد لا تظهر آثار ذلك إلا لمن يقرأ سنن التاريخ بعين البصيرة.
يقول ابن خلدون في مقدمته: “الظلم مؤذن بخراب العمران”.




