المقالات

قرية وكان بوادي مستل .. طموح لما يمكن أن تكون عليه سياحة عمان

بقلم: سعيد بن محمد الرواحي

قبل يومين فقط كنت شاهد عيان على مشهد لا تختصره الصور. صعدت الطريق المتعرج نحو قرية وكان على ارتفاع يقارب ألفي متر فوق سطح البحر، وهناك أدركت أن بعض الأماكن لا تزور للمتعة فقط، بل تسكن مع ذكرياتك فيها وتطرح أسئلة كبيرة عن المستقبل.
“وكان” ليست مجرد قرية جبلية جميلة، بل نموذج مصغر لقصة السياحة في سلطنة عمان كلها، مقومات طبيعية نادرة، وتجربة انسانية اصيلة، وامكانات اقتصادية واسعة، يقابلها نقص واضح في الخدمات والتنظيم والاستثمار الاحترافي.
في هذه القرية ترى الانسان العماني القديم وهو يفاوض الجبل لا يهرب منه. مدرجات زراعية، فلج يخرج من عمق الصخر، اشجار رمان ومشمش، وحياة صنعت حيث يظن الآخرون ان الحياة مستحيلة. هذه ليست آثارا تاريخية فقط، بل منتج سياحي عالمي كامل العناصر لو ادير بعقل اقتصادي حديث. لكن الواقع للأسف يكشف مفارقة واضحة، الجمال يزداد شهرة، والخدمات لا تواكبه بالسرعة نفسها.
الطريق في اجزاء منه ضيق وغير مهيأ لحجم الحركة السياحية المتزايدة، مواقف السيارات محدودة، ولا توجد منظومة نقل منظم تقلل الازدحام وتحافظ على البيئة. الزائر يصل الى موقع عالمي بمقوماته، لكنه يستقبله ببنية محلية بسيطة لا تزال تفكر بعقلية الرحلة القصيرة لا بعقلية الوجهة الدولية. وهنا تصبح “وكان” مثالا واضحا على التحدي الاكبر للسياحة في عمان، لسنا بحاجة لاكتشاف مواقع جديدة بقدر حاجتنا لادارة المواقع الموجودة.
عمان تملك ما تبحث عنه الدول السياحية حول العالم، تنوع مناخي، جبال، اودية، كهوف، صحارى، سواحل، خريف فريد في ظفار، وامن واستقرار نادران في المنطقة. ما ينقص هو تحويل هذه العناصر من اماكن جميلة الى منتجات سياحية متكاملة. ولا نختلف أن السائح العالمي اليوم لا يبحث فقط عن منظر، بل عن تجربة كاملة، سهولة الوصول، الحجز الالكتروني، النقل، الارشاد، الفعاليات، المقاهي، الانشطة، والتجربة الثقافية المنظمة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الاقتصاد الكبير.
في “وكان” مثلا يمكن ان تتحول الزيارة الى تجربة عالمية عبر خطوات محدودة التكلفة عالية الاثر، تنظيم مواقف عند اسفل الجبل مع نقل كهربائي صديق للبيئة، مسارات مشي معلمة بمعايير السلامة، بيوت ضيافة تراثية بادارة احترافية، فعاليات موسمية لزهور المشمش، ومنصات حجز الكترونية مرتبطة بالشركات السياحية الدولية. فالمطلوب ليس مشاريع اسمنتية ضخمة، بل ادارة حديثة ذكية تحافظ على هوية المكان وتضاعف عائده الاقتصادي.
السياحة في العالم لا تبنى بالمناظر وحدها، بل بالادارة، والفرق بين موقع جميل ومقصد عالمي هو التنظيم. إذا احسن تطوير نماذج مثل وكان، فانها لن تخدم اهل القرية فقط، بل ستصبح جزءا من اقتصاد وطني متنوع يخفف الاعتماد على الموارد التقليدية. وهنا تتحول السياحة من نشاط موسمي الى قطاع استراتيجي.
“وكان” اذن ليست قرية تحتاج طريقا افضل فقط، بل فكرة تحتاج قرارا اشمل، الانتقال من زيارة الاماكن الى صناعة الوجهات. عندها فقط ستدخل عمان خريطة السياحة العالمية كما تستحق، لا لان لديها طبيعة اجمل من الآخرين، بل لانها ادارت جمالها بطريقة اذكى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى