رأي وهج الخليج

المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن.. كيف أصبحت مسقط قلب الوساطات الإقليمية؟

رأي  ـ وهج الخليج:
تنتهج سلطنة عُمان منذ عقود، سياسة دبلوماسية قائمة على الحياد الإيجابي والوساطة الهادئة بين مختلف أطراف النزاعات في الشرق الأوسط، لا سيما في الملفين اليمني والإيراني. وقد نجحت مسقط في ترسيخ مكانتها كوسيط موثوق، عبر تسهيل قنوات الحوار ونقل الرسائل بين الخصوم، ما جعلها عنصرًا محوريًا في جهود تحقيق السلام والاستقرار الإقليمي.
وخلال العام الماضي، أُجريت 5 جولات من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمانية، بدأت في منتصف شهر أبريل وانتهت في منتصف يونيو. غير أن هذا المسار التفاوضي تعثّر قبيل الجولة السادسة، إثر شنّ إسرائيل حملة قصف غير مسبوقة قبل يومين فقط من موعد انعقادها، ما أدى إلى اندلاع حرب الـ12 يومًا، وشاركت فيها الولايات المتحدة عبر قصف منشآت نووية إيرانية. واستضافت مسقط ثلاث جولات من أصل الجولات الخمس، مؤكدة استمرار دورها المحوري في إدارة هذا المسار الدبلوماسي المعقّد.
واليوم، تواصل سلطنة عُمان مسيرة الوساطة بين طهران وواشنطن، إذ من المقرر أن تستضيف غدا الجمعة جولة جديدة من المفاوضات، تحظى بترقّب دولي واسع. وتُعد هذه المحادثات الأولى بين الجانبين منذ الحرب التي شنتها إسرائيل، في لقاء يُرجَّح أن يكون حاسمًا في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستمضي قدمًا في تنفيذ ضربة عسكرية جديدة سبق أن لوّحت بها أم لا. ويأتي ذلك بعد أن كان متوقعًا مبدئيًا عقد المحادثات في تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي.
ويبدو أن نقل مسار التفاوض من إسطنبول إلى مسقط لا يمكن قراءته كإجراء تنظيمي فحسب، بل كإعادة تموضع سياسي محسوبة تحمل في طياتها رسائل استراتيجية متعددة، فمسقط تمثل بيئة تفاوضية منضبطة ووسيطًا موثوقًا، يتيح لطهران إدارة إيقاع المفاوضات وملفاتها الحساسة بعيدًا عن الضغوط الجانبية أو محاولات التدويل المبكر. وعلى النقيض، تُعد إسطنبول ساحة ذات تشابكات إقليمية ودولية معقّدة، وليست وسيطًا محايدًا بالكامل، نظرًا لارتباطاتها ومصالحها المتقاطعة مع الغرب، فضلًا عن خلافاتها المزمنة مع طهران.
كما ينسجم اختيار مسقط مع مرحلة حساسة تسعى فيها إيران إلى تثبيت العاصمة العُمانية كوسيط رئيسي في أي مسار تفاوضي مقبل، وإبعاد أطراف أخرى عن التأثير المباشر في مسار التفاهمات المحتملة.
وليس هذا الدور بجديد على سلطنة عُمان، إذ سبق أن شكّلت مسقط أولى محطات التفاوض السرّي بين الولايات المتحدة وإيران، التي مهّدت لاحقًا لانطلاق المفاوضات الدولية الأوسع (5+1 مع إيران)، وأفضت في عام 2015 إلى التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى