أخبار محلية

غواصون عمانيون يحرسون “الكنز البيئي الضخم” لجزر الديمانيات

وهج الخليج – مسقط

عندما ينتهي الغواصون المتطوعون من ارتداء البزّات الخاصة بمهامهم ومن تفحُّص الخزّانات التي يضعونها على ظهورهم، على متن قارب شراعي يرسو قبالة الشواطئ البكر لجزر الديمانيات غير المأهولة في سلطنة عُمان، يبدأون بالغطس واحداً تلو الآخر في المياه الفيروزية النقيّة. ويغوص هؤلاء لتنفيذ مهمة محدَّدَة هي إزالة كميات كبيرة من شباك الصيد تُلحق الضرر بمنظومة الشعاب المرجانية التي تتسم بقدرة فائقة على مقاومة تبعات ارتفاع درجات حرارة البحر. تمثّل عملية التنظيف التي ينفّذها هؤلاء نموذجاً لكيفية توحيد الغواصين والسلطات العمانية جهودهم لحماية هذه الشعاب المرجانية البالغة الأهمية للحياة البرية البحرية من الأضرار التي يسببها الإنسان.
وأوضح حمود النيري من هيئة البيئة العُمانية وهو يراقب الغواصين أن “الشعاب المرجانية تشكّل موطناً لكثير من الأنواع البحرية وموئلاً للحياة البرية المائية”. وقال الرجل البالغ 45 عاماً والذي يتولى الإشراف على جزر الديمانيات، وهي المحمية البحرية الوحيدة في سلطنة عُمان، إن “حماية النظم البيئية البحرية تستلزم أولاً الحفاظ على الشعاب المرجانية”. فتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ العام الفائت رجّح “ألاّ تدوم حتى نهاية القرن” معظم الشعاب المرجانية في المياه الضحلة، إذ تتسبب موجات الحر البحرية المتكررة بإجهادها وابيضاضها.

وأدى الاحترار المناخي، فضلاً عن التلوث وصيد الأسماك بالديناميت، إلى فقدان الشعاب المرجانية في العالم نحو 14 في المئة من المرجان ما بين عامي 2009 و2018، بحسب تقرير أعدّته الشبكة العالمية لرصد الشعاب المرجانية. لكنّ مياه سلطنة عُمان الباردة نسبياً توفر ملاذاً نادراً لشعابها المرجانية التي تُعدّ من بين الشعاب المرجانية الأقل استقطاباً للدراسات في العالم. ورأى أستاذ علم الأحياء المشارك في جامعة نيويورك أبو ظبي جون بيرت أن “الشعاب المرجانية في عُمان هي في الواقع أقل عرضة للخطر نسبياً من تلك الموجودة في بعض المناطق” الأخرى من العالم. وشرح الخبير البحري أن “هذا الأمر عائد إلى حد كبير إلى تأثير الرياح الموسمية”. وأضاف “خلال ذروة درجات الحرارة في الصيف، عندما تشهد معظم المناطق ابيضاضاً مرتبطاً بموجات الاحترار البحرية ، تنشط الرياح الموسمية في المحيط الهندي في جنوب عُمان، مما يؤدي إلى تبريد حرارة المياه بشكل كبير”.


ـ “كنز بيئي ضخم”
تتمتع الشعاب المرجانية في سلطنة عُمان تالياً بقدرة على الصمود أمام ارتفاع درجات حرارة البحر، لكنّها ليست محصّنة كلياً منها. وذكّر بيرت بأن آخر حدث ابيضاض كبير لشعاب سلطنة عُمان حصل في صيف عام 2021، عندما شهدت حرارة البحر ارتفاعاً أكثر من المعتاد.
وتُشكّل الأعاصير التي أصبحت أكثر تواترا بسبب التغيّر المناخي، تهديدا كبيراً أيضاً للشعاب المرجانية. وأفاد بيرت بأن أكثر من نصف شعاب سلطنة عُمان المرجانية فُقِد بين عامي 2005 و2010 بسبب إعصار جونو الفائق عام 2007، وإعصار فيت عام 2010، بالإضافة إلى تكاثر الطحالب على نطاق واسع عامي 2008-2009. إلاّ أن “تعافياً سُجِّل مذّاك طوال أكثر من عقد مما أتاح استعادة هذه الشعاب مرجانها”.
ولحماية الشعاب من شباك الصيد ونجم البحر الشوكي الذي يفتك بالمرجان، يواظب حسن الفارسي على الغوص في مياه الديمانيات كل أسبوع لتَفَقُّد الأضرار. ويسجّل الغوّاص نجل صياد السمك إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) للمناطق المرجانية المتضررة ويرسلها إلى وزارة البيئة لتسجيلها كأهداف للتنظيف. ثم ينضم إلى العشرات من المتطوعين الذين يغوصون لإزالة الشباك الغارقة ونجم البحر الشوكي الذي يفترس الشعاب المرجانية. وقال الفارسي من على متن قارب شراعي يحمل الشباك المستخرجة إن الشعاب المرجانية “كنز بيئي ضخم”. ونبّه مدرب الغوص البالغ 52 عاماً إلى أن “الشعاب المرجانية تتدهور عاماً بعد عام بسبب الممارسات الخاطئة للصيادين”. وأضاف “لولا حملات التنظيف لدمرت بالكامل”.


ـ قاعدة بيانات الشعاب المرجانية
وليس الفارسي وحده في جهوده، بل هو ضمن مجموعة من “حرّاس” هذا الكنز، ومنهم الغوّاصة والمدرّبة جنان العصفور، وهي من أبرز وجوه الحفاظ على الشعاب المرجانية في سلطنة عُمان. وترأس هذه المرأة البالغة 40 عاماً Reef Check Oman (“ريف تشِك عُمان”)، التابعة لمؤسسة “ريف تشِك فاونديشن” العالمية.
وتسعى “ريف تشِك عُمان” التي أُسِّسَت عام 2019 إلى تكوين قاعدة بيانات كاملة عن الشعاب المرجانية في سلطنة عُمان ، مما يتيح مراقبة صحتها ورصد أبرز المخاطر التي تهددها، والتعاون مع السلطات العمانية لتنفيذ سياسات لحمايتها. وبالفعل، أجرت المنظمة منذ انطلاق عملها عدداً من الدراسات الاستقصائية في كل أنحاء عُمان. وقالت العصفور: “لاحظنا خلال هذه المسوح أننا لم نسجّل الكثير من حوادث الابيضاض… فمعظم الشعاب المرجانية التي مسحناها تبدو معافاة وفي حال جيدة”. وأوضحت أن “ما يميز الشعاب المرجانية في عُمان هو أن درجة حرارة المياه باردة طوال العام بسبب تيارات المياه الباردة الواردة من جنوب عمان خلال الرياح الموسمية، في حين تعاني بلدان أخرى من ارتفاع درجات حرارة البحر خلال فصل الصيف”.
ولاحظت العصفور أن الشعاب المرجانية في عُمان “تكيّفت أيضاً مع الملوحة العالية في بحرَي عُمان الشماليين”. وأضافت “لدينا نظام بيئي فريد جداً هنا، وهو غير موجود عموماً في أي مكان آخر من العالم، وهدفنا في +ريف تشِك عمان+ هو مواصلة حمايته من أجل الأجيال المقبلة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى