حياة الأوطان

بقلم : مسلم بن أحمدالعوائد
حياة الأوطان كغيرها من السنن الكونية: إما حياة طيبة مستقرة، وإما اضطراب وفقر وخوف وعبودية وخيانات، ثم نهاية مخزية. وقد ذكر ابن خلدون أن الدولة لها أعمار كالأشخاص: قوة، ثم استقرار، ثم ترف، فضعف فسقوط. وبيّن أن كثرة الجباية والظلم خراب للعمران، وبداية النهاية في حياة الأوطان المستقرة، بسبب نشوة السلطة و العصبية.
هذا قبل…
اما بعد…
يقول أرنولد توينبي – الذي درس تاريخ الحضارات لمدة اربعين عاما – في كتابه “دراسة التاريخ”: إن الحضارات لا تُهزم من الخارج ابتداء، بل حين تستبد الأقلية المتمسكة بالسلطة، وتُعقّد معايش الناس، وتضيّق عليهم في عقائدهم ومساكنهم وأعرافهم وتقاليدهم باسم القانون؛ عندها يبدأ التشظي والتفك الداخلي إلى مناطق وكيانات وعصبيات، فتضعف القوة الداخلية، وتتقوى بالخارجية، فتكون النهاية المخزية، بسبب السلطة المستبدة.
اخيرا…
إن المراقب للأحداث الإقليمية والعالمية في السنوات الأخيرة يرى بوضوح ما قرره ابن خلدون وتوينبي: أن ثلاثية انهيار الأوطان ؛ الظلم، وكثرة الجباية، وتقديم الولاء على الكفاءة، هي بداية السقوط، وإن بدت تلك الأوطان قوية عسكريا وأمنيا واقتصاديا وسياسيا؛ لكنها من الداخل فقدت القدرة على الاستجابة للتحديات والمتغيرات.
ختاما…
إرادة الشعوب لا تُهزم؛ فقد عجز الاستعمار الغربي عن إخضاع إرادة الشعوب في مختلف القارات، فكافحت من أجل الاستقلال والحرية، وقدمت في سبيل ذلك ملايين الشهداء.
فمن أراد استقرار الأوطان والتمكين، فعليه باتباع سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “وليكن أضعف الناس عندكم قويا حتى يُؤخذ له حقه، وأقواهم عندكم ضعيفا حتى يُؤخذ منه الحق”. وجاء في أثر عن الفاروق رضي الله عنه: “لو أن جملا أو قال شاة، أو قال حملا هلك بشط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه”. بهذه السياسة كسب الداخل وأرهب الخارج، ودانت له ممالك الشرق والغرب.




