المقالات

جيل المهارات لا جيل الشهادات

بقلم : هلال بن سعيد اليحيائي، مركز بهلا الثقافي للعلوم والابتكار

إن سوق العمل يعيش متغيراتٍ سريعة، لا تستطيع المؤسسات التعليمية مواكبة تحديث مناهجها بما يتلاءم مع سرعة الثورة التكنولوجية، التي أسهمت في تسريع انتقال المعرفة، وزيادة التقارب والتواصل بين دول العالم،وقد أدى ذلك كله إلى سرعة ظهور الوظائف واختفائها خلال فترات زمنية قصيرة، واتساع فجوة المواءمة بين التعليم وسوق العمل، لتصبح قضية التوطين ملفًا شائكًا ومعقدًا، يحظى باهتمام أغلب الحكومات والمنظمات.

ويُعد الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال التمكينوالتسهيل، والرقابة الصارمة على تنفيذ السياسات،وإيجاد بيئة عادلة تتيح الفرص لأصحاب الجدارة، وتفتحالأبواب أمام الكفاءات العالية والنادرة ، من أبرز مرتكزاتالنجاح لاي اقتصاد يسعى نحو الاستدامة والتفوق في عالم يشهد تحولات جيوسياسية  عميقة اعادت  الاعتبار لدور الدولة والسياسات الحمائية .

و سنغافورة من النماذج العالمية التي تتصدر المشهدالاقتصادي العالمي؛ فعلى الرغم من صغر مساحتها التيلا تتجاوز 734 كيلومترًا مربعًا، وعدد سكانها الذي يناهز6 ملايين نسمة، وافتقارها النسبي للموارد الطبيعية، إلاأنها حققت أعلى نصيب للفرد عالميًا من الناتج المحليالإجمالي المعدل بتعادل القوة الشرائية، بنحو 156 ألفدولار أمريكي، ما جعلها من أغنى دول العالم. ولا شك أنهذا النجاح جاء نتيجة تكامل السياسات العامة فيتحقيق التميز في عدة مجالات، من بينها البيئة التنافسيةالجاذبة للاستثمار، وسهولة ممارسة الأعمال، والبنيةالتحتية المتطورة، حيث استطاعت أن تجذب استثماراتأجنبية مباشرة تُقدَّر بنحو 190 مليار دولار أمريكي .

ما يهمنا في تجربة سنغافورة أنها تمثل مثالًا ناجحًا منبين العديد من الدول التي استطاعت تحقيق التوطينالنوعي، من خلال مواءمة دقيقة بين المهارات واحتياجات سوق العمل، وربط الأجور والترقيات بمؤشرات أداء قابلة للقياس، إضافة إلى ربط الحوافز والدعم الحكومي المقدم للشركات بمؤشرات الكفاءة، والتدريب  والإنتاجية من خلال مسار مهني واضح ، وقد أسهمت هذه السياسات مجتمعة في خفض كلفة التشغيل ورفع جودة الأداء .

وتقوم فلسفة سنغافورة على خلق الفرصة لاكتسابالمهارة، لا على خلق الوظيفة بحد ذاتها، ومن خلال مبدأ«تحرير الإنسان بالمسؤولية»، حيث يكون الفرد مسؤولًاعن اختياراته ونتائجه، في حين تتحمل الحكومة مسؤولية تمكينه بالمهارات المطلوبة في سوق العمل. ويتم ذلك عبر سياسة توطين موجهة نحو قطاعات محددة ذاتقيمة مضافة عالية، مثل التصنيع المتقدم، والخدماتالمالية، والصحة، والتعليم، والتكنولوجيا، واللوجستياتالذكية .

وأولى هذه السياسات التي ساعدت على تحقيق التوطينفي سنغافورة هي ربط التعليم باحتياجات السوقالفعلية، من خلال برنامج حكومي أُطلق عام 2015 تحتمسمى «مهارات المستقبل»، والذي يُعد حقًا للمواطن والتزامًا من الحكومة، إذ يمنح كل مواطن ابتداءً من سن25 عامًا رصيدًا ماليًا مخصصًا للدورات التدريبية التيترفع من قدراته وتمكّنه من مواكبة التغيرات المتسارعة فيسوق العمل، ويستمر هذا الدعم حتى ما بعد التقاعد،ليشمل كبار السن أيضًا .

أما السياسة الثانية، فهي فرض رسوم شهرية تصاعديةعلى استقدام العمالة الأجنبية ذات المهارات الضعيفة أومنخفضة الإنتاجية، مع تصنيف هذه العمالة إلى ثلاثفئات. الفئة الأولى هي العمالة منخفضة الإنتاجية، والتيتُفرض عليها أعلى الرسوم، وتتراوح ما بين 90 و240 ريالًاشهريًا، وتُوجَّه هذه الرسوم لدعم برنامج «مهاراتالمستقبل». أما الفئة الثانية، فهي العمالة ذات المهنالمعرفية المتوسطة، وتُفرض عليها رسوم أقل، مع اشتراطتحديد أجورها بنسبة أعلى من أجور العمالة المحلية،فعلى سبيل المثال تُفرض رسوم شهرية على تصاريحالعاملين في قطاع الخدمات المالية برواتب تقارب 1900 ريال عماني شهريا . في حين تمثل الفئة الثالثة العمالةذات المهارات العالية، والتي تُفرض عليها أدنى الرسومنظرًا لحاجة السوق إليها .

ومن السياسات الأخرى التي تنتهجها سنغافورة سياسةالسقف الذكي، والتي تُحدد بموجبها الحكومة عددالعمالة الأجنبية المسموح بها في كل قطاع، ويتم تحديثالسقف بشكل شهري أو فصلي؛ فكلما زاد عدد العمالةالأجنبية ارتفعت الرسوم، ولا يمكن التحايل أو التلاعببهذه السياسات .

ويتمثل الإجراء الرابع في ربط الأجور والترقياتبالإنتاجية عبر مؤشرات أداء واضحة، في حين يتمثلالإجراء الخامس في ربط الدعم الحكومي والإعاناتوالمساهمات المالية المخصصة للتدريب بمؤشرات الكفاءة،وانخفاض معدلات الدوران الوظيفي، واستقرار التوظيف. أما الإجراء الأخير، فيكمن في تعزيز ثقافة الالتزاموالانضباط في بيئة العمل واحترام الوقت، بوصفها قيمةأساسية في منظومة الإنتاج والتميز

إن نجاح هذه السياسات في سنغافورة جعل من اقتصادها أكثر جذبًا للمستثمرين؛ إذ لم تُدلِّل المواطن علىحساب القطاع الخاص، ولم تُرضِ المستثمر على حسابالمواطنين، بل رفعت كفاءة الطرفين معًا. ومن هنا، يمكنناالقول إن الشباب  لا تنقصه الطموحات العالية ولا التوقعات المشروعة ، غير أن التحدي الحقيقي يكمن فيمواءمة هذه الطموحات مع سوق عملٍ لم يعد يعتمد علىالشهادات وحدها، بل على المهارات، والانضباط، والتعلّمالمستمر. فالوطن يفتح لك الأبواب، وأنت من يختار المسار .

وأخيرًا، لسنا بصدد المطالبة بالتخلي عن دور الحكومة أوإضعاف منظومة الرعاية الاجتماعية، ولكن لا يمكن أنيستمر دور الدولة في سوق العمل بوصفها المشغّل الأكبروالضامن الأبدي للوظيفة. فالدور الأجدى للدولة هو أنتكون المُمكِّن والمنظِّم لبيئة عمل محفزة وجاذبة. أما المضيفي اعتبار الوظيفة حقًا مضمونًا بمعزل عن الكفاءةوالإنتاجية، فسيؤدي على المدى البعيد إلى تصاعدالاتكالية، وتراجع الإنتاجية، وازدياد الأعباء على ميزانيةالدولة، وهو ما لا يخدم الرؤى الطموحة القائمة علىالتنويع الاقتصادي، والابتكار، وتمكين الشباب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى