ما وراء الخبر

بين سطور أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية

بقلم:جمال الكندي

الخارطة السياسية للعالم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية تغيرات، حيث تولى رسمها المنتصر، فاختفت ثلاثة إمبراطوريات هي: العثمانية والألمانية والنمساوية المجرية، وما يهمنا هنا هي خارطة العالم العربي وكيف سيطر المستعمر الغربي بعد خروج السلطة العثمانية على الخارطة السياسية لبعض الدول العربية ولبنان من هذه الدول.
بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى رسمت أول خارطة سياسية للعالم العربي، لأن أغلب الدول العربية كانت تحت المظلة العثمانية، فقسمت ممتلكاتها في الشرق بين دولتين استعماريتين هما: بريطانيا وفرنسا، وخرجت لنا ما تسمى “اتفاقية سايس بيكو” المذلة التي من أهم مبادئها وضع الدول العربية الخارجة من العباءة العثمانية تحت ما عرف غربياً مرحلة ” الانتداب” وهي الوصاية الغربية على هذه الدول، والذريعة أنها لا تستطيع أن تدير شؤونها الداخلية والخارجية إلا بالاستعانة بها، وطبعاً هو استعمار غير مباشر، ولكن بعبارة مخففة.
هذه المرحلة كانت مرحلة مهمة من التاريخ السياسي للدول العربية التي وقعت تحت الانتداب البريطاني والفرنسي؛ لأنها أسست لقاعدة ومنطلق بعد الحرب العالمية الثانية لنضال من أجل الاستقلال الوطني الذي نالته كل الدول العربية التي كانت تحت السيطرة الغربية المباشرة.
هذه المقدمة التاريخية التي ذكرتها أردت بها الانطلاق إلى مسألة استقلال القرار السياسي في بلداننا العربية الذي ما زلنا نعاني منه إلى الآن، حيث إن القرار الخارجي هو من يحدد شكل ومضمون بعض حكوماتنا العربية، وهذا الأمر أسس لما عرف بصراع المحاور السياسية في منطقتنا العربية.
سياسياً يتخذ هذا الصراع نقطة خلاف وتجاذب بين الأحزاب السياسية، وهذا الأمر قد يكون طبيعياً في الدول ذات المنحى الديمقراطي الحقيقي، ولكن في بلداننا العربية هو حبر على ورق؛ لأنه مرتبط بمصالح هذه الدول أو تلك، وهنا نحن نرجع للمربع الأول، مربع الوصاية السياسية التي كانت بعد الحرب العالمية الأولى.
إن مطلب الديمقراطية هو لعبة غربية تستخدم حسب المقاس الأمريكي والغربي، فإذا طبقت الديمقراطية بحسب ما هو معروف عنها عبر صناديق الاقتراع وجاءت بحزب حاكم ضد الأجندة الأمريكية والغربية فهو مرفوض، وقد ذكر ذلك المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” في كتابه المترجم إلى العربية “من يحكم العالم” ؟ حيث يقول: “إن خشية الولايات المتحدة من الديمقراطية لن تجد لها تجلياً أكثر وضوحاً إلا حينما جرت في كانون الثاني 2006م انتخابات في فلسطين أعلن بأنها حرة وعادلة من قبل المراقبين الدوليين، وفازت فيها حركة حماس وكان الرد الفوري لأمريكا ومن ورائها أوروبا بفرض عقوبات قاسية على الفلسطينيين لتصويتهم بالطريقة الخطأ يعني التصويت لحركة حماس “.
ويضيف نعوم كذلك “أن أمريكا تدعم الديمقراطية إذا وافقت أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية “، ومن أجل ذلك نرى صراع المحاور في لبنان واضحاً بسبب التدخلات الخارجية وتشكيل الحكومة في لبنان يعتبر من أكبر مشاكلها بسبب المحاصصة السياسية التي أوجدتها اتفاقية الطائف.
هنالك قوتان سياسيتان تتصارعان في لبنان هما: قوى الرابع عشر من آذار وهو تحالف سياسي يلقى دعماً من أمريكا وفرنسا وبعض الدول الخليجية، تقابله كتلة قوى الثامن من آذار، والتباين بينهما أصبح واضحاً بعد مقتل رئيس الوزراء الأسبق “رفيق الحريري” وفي العلاقة مع سوريا، والخلاف الأكبر في قبول سلاح المقاومة اللبنانية وأمور سياسية أخرى قسمت البلد بين هذين المحورين، ومؤخراً زادت الضغوط الأمريكية على الحكومة اللبنانية الحالية لاستبعاد مكون رئيس من قوى الثامن من آذار وهو “حزب الله” من أي حكومة مقبلة والمطالبة بسحب سلاحه الصاروخي الذي هو سلاح الردع في وجه العربدة الصهيونية في المنطقة، فهو سلاح كرامة اللبنانيين الشرفاء الذي حرر الجنوب اللبناني عام 2000م وكسر هيبة الجيش الإسرائيلي عام 2006م في حرب تموز، والمطالبة بسحب هذا السلاح هو خدمة مجانية للكيان الصهيوني وأمريكا. لذلك تفتعل أمريكا الأزمات السياسية والاقتصادية في لبنان من أجل إخراج “حزب الله” من المعادلة السياسية اللبنانية، ومن أهمها أزمة صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكي.
هذه هي أدوات أمريكا لإبعاد حزب الله من الحكومة، أو أي مكون آخر سياسي لا يتماشى مع سياستها في المنطقة، فهل هذه هي الديمقراطية التي تريدها أمريكا في بلداننا العربية ؟؟.
صراع المحاور السياسية في أي بلد يبقى ظاهرة صحية إذا كانت الرؤية وطنية خالصة ومستمدة من ثوابت البلد ولا تخضع للإملاءات الخارجية، ولها استراتيجية واضحة تخدم البلد سياسياً واقتصاديا وعسكريا، ولكن التكتيك يختلف من محور للآخر بشرط أن تبقى السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي والاقتصادي خطاً أحمراً، وهذا ما يعقد الموضوع في لبنان ويجعله من الصعوبة بمكان بسبب التدخلات الخارجية؛ وما تشهده اليوم دولنا العربية بعد نكسة الربيع العربي خير دليل على ذلك، ولبنان ليس بمنأى عن هذه التدخلات، لان بيئته السياسية شكلت على أساس انتظار القرار من الخارجي، لذلك يتعطل دائماً تشكيل الحكومات اللبنانية ، فهي تنتظر الإشارة الخضراء من الخارج لارتباطات سياسية واقتصادية، وغياب الرؤية الوطنية الخالصة التي تقدم المصلحة الوطنية ، فالمحسوبية السياسية –إن صح التعبير- هي التي ضيعت لبنان وجعلته تائهاً سياسياً واقتصادياً، فحينما تتوحد الرؤية الوطنية على قاعدة المصلحة العامة للدولة وتتجاوز خلافات المحاور السياسية، سترى لبنان النور والاستقرار السياسي والاقتصادي، وما تحتاجه لبنان هي تنازلات من هنا وهناك لكي تشكل الحكومة من أجل شعب ضاق ذرعاً من التجاذبات السياسية ومل من جعل لبنان ساحة صراع للقوى السياسية في المنطقة والعالم .

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى