الإثنين , يناير 25 2021

وجهة نظر

بقلم: الدكتور سالم الشكيلي

بدايةً، أود التأكيد على أمرٍ مهمّ، وهو أن كل مقالاتي إنما هي وجهة نظر خاصة، أصبّ من خلالها عصارة خبرات طويلة، وتجارب اعتركتها السنون، وتراكمات طريق طويل من البحث والتعلّم والدراسة، أحاول من خلال كل ذلك – بما أراه – أن أقدم خدمةً بسيطة في حق هذا الوطن المعطاء، وقيادته الرشيدة المجيدة، وبالتالي فإن عنوان هذا المقال لا ينفصل عن عناوين ومعاني المقالات السابقة واللاحقة.

لا شكّ أنّ المؤسسات العامة للدولة من الضروري واللازم أن يكون لها مباني ومنشآت تستطيع من خلالها ممارسة مهامها وتقديم خدماتها للجمهور بيُسر وسلاسة ، بما يليق ويتناسب مع حجم ومستوى الخدمات المقدمة، ولكن لا بدّ من الأخذ في الاعتبار، القول بلا إفراط ولا تفريط، فالعبرة ليس بحجم المباني ومساحتها وزخرفتها، وإنما بجودة الخدمات وسرعة إنجازها، خاصة ونحن في عصر التقنية التي تتيح للجمهور إنهاء معاملاته وهو في منزله وبواسطة الهاتف النقال .

وفي الحقيقة فإنّ هذا الموضوع الذي أود التحدث عنه، يتردد على ألسنة الكثيرين وإن كان بصوت خافت، لسبب قد يكون مفهوماً دون توضيح، ولكن طالما نحن في عهد وحمى دولة العدل، والتي يقود زمام تجديدها مولاي جلالة السلطان الهيثم المعظم حفظه الله، فلا خوف أن اتناوله من باب التنبيه والتذكير للمسؤولين في الدولة، خاصة ونحن في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي نمرّ بها ويمر بها العالم عامة، فترشيد الإنفاق مطلب اساسي لحماية موارد الدولة وتوجيهها في المسار الصحيح، وانسجاماً مع رؤية عمان ٢٠٤٠ .

لقد تلاحظ في السنوات الأخيرة، تسابق بعض مؤسسات الدولة، متباهية، إلى حيازة مساحات شاسعة من الأراضي تقدر بعشرات الآلاف من الأمتار يفوق حاجاتها، وهذا أولاً يخلق شحاً في الأراضي في الولايات محدودة المساحة، ما يعني بقاء اليسير منها للمواطنين الذين يقضون سنوات طويلة حتى يحصلوا على قطعة أرض ليقيم عليها منزله، والتي لو حصلوا عليها ستكون في أماكن نائية، بفعل استيلاء هذه المؤسسات الحكومية على الأراضي الشاسعة، وفي الأماكن الاستراتيجية .

ولا يتوقف الأمر على حيازة مساحات الأراضي من قبل بعض المؤسسات، بل يتعدى الأمر إلى أن تشترط على الإسكان وجود أحرامات فضاء لا يمكن استغلالها بأي وجه من الوجوه، وهذه معضلة أخرى، يتحملها الوطن والمواطن.

ومن هنا فإنّ الترشيد في حيازة الأراضي من قبل مؤسسات الدولة، بات أمراً مطلوباً ويمكن التوسع في المباني، توسعاً رأسياً إن كان له لزوم، وهذا له فوائد كثيرة حتى من حيث الكلفة المادية في عملية البناء، ذلك أن مبنى متعدد الطوابق أقل كلفة من بناء عدة مباني على مستوى افقى لأداء ذات الغرض، كما أن هذه المباني الضخمة لبعض المؤسسات الحكومية، تحتاج إلى كلفة تشغيل عالية من حيث الكوادر البشرية والأثاث والكهرباء والمياه، ناهيك عن عمليات الصيانة، وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى استنزاف أموال طائلة من ميزانية الدولة، فهل هي قادرة على ذلك في مثل هذه المرحلة الحساسة والدقيقة جداً من الوجهة الاقتصادية !؟ وحتى من غير هذه الظروف. يظل مطلب عدم الإفراط ضرورياً في كل الأوقات والظروف .

الأمر الآخر، هو ما دأبت عليه بعض المؤسسات على إقامة مبانيها على أراضٍ جبلية، ولا أدري السبب لذلك، هل هي نفسية التعالي والامتياز، وكأن صاحبها سيخلد فيها، مع العلم أن هذا البناء يتطلب قطع وقصّ الجبال وتسويتها ومن ثمّ البناء عليها، أضف إلى هذا مشقة توصيل الخدمات بما فيها الطرق الموصلة إليها، وبالمقارنة بين البناء على أرض مستوية والبناء على أرض جبلية، فالقول لا يحتاج إلى عناء كبير، إذ أنّ التكلفة في الأرض الجبلية ستكون أضعاف البناء على ارض مستوية، يضاف إلى طول مدة تنفيذ المشروع، فلو تركت مثل هذه الأراضي للقطاع الخاص لكان أقدر على استثمارها.

العبرة أيها القوم، كما قلت، ليس بالأشكال والأحجام، ولقد مرت بنا تجربة طول مدة تنفيذ لإحدى الوزارات التي تجاوزت إحدى عشر سنة، وتضاعفت تكلفة البناء عن المبلغ المرصود، رغم أنّ الأرض المقام عليها تلك الوزارة منبسطة، ورغم ذلك فإنّ خدماتها لا تتلاقى مع رضا وقناعة الجمهور، بل إن الراغب في خدمة فيها، أو دخولها، فكأنما يطلب الدخول إلى ثكنة عسكرية سرية .

وقبل أن اختم مقالي هذا، أذكر أنني كنت ضمن وفد زار المملكة الأردنية الهاشمية، في بداية التسعينيات، وكان من ضمن البرنامج المعدّ لنا، زيارة مؤسسة إصلاحية للأحداث، وكان المبنى من الخارج يبدو متواضعاً جداً، لكن كان انبهارنا كبيراً لما شاهدناه ولمسناه عن البرامج والخدمات المقدمة للموجودين، ومدى كفاءة الطواقم الإدارية والفنية فيها، وانبهرنا بنظافة وتنظيم وتنسيق المكان من الداخل .

أعلم علم اليقين أنّ هذا المقال سيغضب البعض وربما يفسره آخرون، بأنه استهداف له، وإن كنت بالتأكيد لا أقصد ذلك، إلا أنه لا يهمني قول فلان أو علان، فأنا لم استهدف احداَ بذاته، وإنما هدفي الدفاع عن المصالح العليا للوطن، لسنا في وقت يسمح لنا بالهدر، قلت كلمتي هذه وانا في حمى دولة العدل والحق لولي أمر البلاد جلالة السلطان الهيثم المعظم أعزه الله وأبقاه .

اتصل بنا

 

شاهد أيضاً

الاستجابة النفسية والعاطفية للتغيير

بقلم:الدكتور سيف الهاشمي التجارب القاهرة والازمات التي تمر بها المجتمعات يمكن ان تصنع الشعوب يرتفع …

اترك تعليقاً