المقالات

بوصلة الأمن.. إلى أين تتجه؟

د.رجب العويسي

يشكّل الامن مرحلة متقدمة من الشعور بالمسؤولية، واغتنام الفرص المتاحة للعيش بسعادة، وبناء قناعات ايجابية في الحياة تنقل الفرد الى مستويات اعلى من الوعي والمهنية والصدق والتوازن في السلوك، والاتساع في التفكير في كل جوانب حياتنا، في أمننا الغذائي والصحي والفكري والثقافي، ونظامنا الاستهلاكي، وتعاملنا مع التقنية، وتعاطينا مع شبكات التواصل، في تعاملنا مع اسرنا، واحترامنا لخصوصياتنا، وادراكنا لمسؤولياتنا ورعايتنا لأبنائنا وبناتنا واقترابنا منهم وتفاعلنا مع طبيعة احتياجهم، في الكلمة التي نتحدث بها، والاسلوب الذي نتحاور به،  والطريقة التي نقرأ بها منجز التنمية، في بناء  جسور الأمان والاستقرار، إنه إعادة صياغة لحن الحياة وقراءة معطياتها بلغة متجددة، تلتزم منهج الذوق والرقي والاحترام والشعور  بقيمة الهدف، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية والتواصل مع الذات والاخر، والاعتراف بالمؤتلف والمشترك، وادارة  نمط سلوكنا بما يتوافق ومنظومة القيم ويتعايش مع مطلب العالمية ، ويتناغم مع  روح المستجد في حياة الانسان اليومية، فهو بذلك منهجيات حياة، وتفاصيل سلوك، والتزام بالقواعد والنظم، وموضوعية في قراءة المعطيات، وقوة في ادراك المسؤوليات، ومنطلق للسمو الفكري والتوازن الانفعالي والرقي في الممارسة ، في مجالاته البدنية، عبر سلوك الوقاية من الامراض والاهتمام بالنظافة والتوازن في التعامل مع الأدوات اليومية، أو مجالات الصحة النفسية وإدارة المشاعر الذاتية، والثقة في النفس ، وتعميق الدوافع وترقيتها، والتعامل مع معطيات الحياة ومواقفها بروح التفاؤل والايجابية والثقة بالله،  أو مجالات البناء الفكري وأمنه المعرفي وثقافته وانتقائه لمصادرها  الصحيحة وادراك قيمة الكلمة الطيبة ونبذ السلبية والاشاعة وتأكيد النقد البناء والموضوعية في الطرح وقيمة الانتظار للنتائج ، وتعميق الحوار والتشارك المعرفي، أو في مجالات استخدام التقنية وتوظيف أدواتها والتعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي، وإدراك  خطورة الابتزاز، وصون البيانات الشخصية والخصوصية في استخدام التطبيقات الحاسوبية، واستخدامنا لبطاقة الصرف الآلي، أو حفظنا للمستندات الرسمية من جوازات سفر ووثائق وملكيات وغيرها، أو في مجالات السلوك اليومي المروري واحترام ثقافة الطريق ونهج القيادة السليمة، أو في الوقاية من الجريمة، والتزام معايير الأمن والسلامة وسلوك الوقاية في كل شيء،  باعتبارها طريقه الأمان، ومنطلقنا للبحث عن مسارات الجدية في حياتنا والدقة في أولوياتنا، وبناء مساحات الامن في كل تصرفاتنا.

ومع ذلك ندرك بأن الكثير منا من يتساهل في التعامل مع ما أشرنا إليه من قضايانا اليومية، وينظر اليها باستخفاف ويتعاطى معها بدون اهتمام، ظنا منه أنها مسؤوليات الشرطة فأصبحت عرضة للسرقة والنهب والضياع والتلف، واختراق  الصفوف الامامية وجدران الحماية لها، التي باتت اشد تصدعا وتأثرا لعدم امتلاكها ضمانات الحماية او مناعات الوقاية، ان مسؤوليتنا اليوم في تثبيت أعمدة الأمن في بيتنا الداخلي وضمائرنا الحية في مواجهة تصدعات الرياح العاتية،  لنمنحها صلابة وقوة ورسوخا في مواجهة التغيير بإدراكنا لقيمة الامن في حياتنا وممارساتنا ليكون بمثابة الاطار الذي يغلف حياتنا صدقا وواقعا، ويضمن قدرتها على استعادة انفاس الأمنيات ورؤية بريق الجمال ولمعانه، لتحيا في شغف العطاء وتنمو في بحر المودة وتنشط في ذاكرة الانجاز، بهذا نصبح مسؤولون عن توجيه بوصلة الامن نحو مسارها الصحيح، فهو بذلك مفتاح الدخول في عالم الحياة السعيدة، والنفوس الصافية الباعثة على العطاء،  والاخذة من معين الهوية وصدق التوجه زاد علم وعمل يقيها العثرة ويمنحها القوة ويبني فيها شموخ الاباء لتسير في بر الأمان  راضية مرضية .

 

إن أمننا صناعتنا الشخصية، نمتلك النصيب الأكبر في حصته، فهو أداتنا ومنتجنا وأثرنا وطريقنا للوصول إلى بر الأمان، فإن أحسّنا التعامل مع محددات هذه البوصلة، وأيقنّا بكل متعلقاتها، واستطعنا فهم ما تعنيه في كل احوالها، كانت بذلك لنا سندا معينا ، وناصحا موجها، ومنطلقا لرسم خريطة الحياة من جديد، لتتجه نحو المستقبل، ونحن في مهنية من أمرنا وصلابة في رأينا وقوة في شخصيتنا لا تمس الرياح منا قيد أنمله أو تعرضنا للتغيير بدون وعي أو ادراك لمقاصدها ومغازيه، أو أن نترك لها العنان لتفعل بنا ما تشاء، وتتجه بنا أينما اتجهت وسارت، فتنحرف بنا عن جادة الصواب، وتضعنا في مزالق الشطط، وقسوة القلب وريح التشتت وضعف الشخصية، فتبرز في حياتنا حالات الشك وسيطرة الأوهام والخرافات، نسخط على الكرم، ونحتقر الانجاز، ونسفّه الجهود  ونتحدث ولا نفعل، ونسوّف التنفيذ، ونتآكل في دواخلنا، في حين ان قطار الحياة يفوت فلم نلحق به والأماني تتبعثر وتضيع،  فما زلنا لم نأخذ منها بطرف، ، أو نسترق السمع فننصت لما تحكيه الأيام، وعندها تضيع حياتنا لأن بوصلة الأمن ما زلنا لم نستوعب قيمتها أو نتحكم في توجيهها فخذلنا أنفسنا بتساهلنا فيها.

إننا مسؤولون عن تحقيق أمننا قبل مسؤولية أوطاننا نحوها، لأننا من يصنع الأمن ويبني قواعده ويؤسس أخلاقياته ويسمو بأدواته، وعندما تبدأ صناعته من الذات وتنطلق من القناعات وتترسخ في المنهجيات، فتتناغم فيها مدركاتنا الحسية والقلبية والعقلية وتتعايش جميعها في قالب واحد، عندها تبرز الممارسة في أرقى أحوالها وأسمى حالاتها وأصدق تعبيراتها، في حب الوطن والانتماء إليه والولاء لسلطانه والاعتراف بمنجزه الحضاري، فتقوى مدركات العمل نحوه ، وتعظم قيمة الحياة بوجوده، وصدق الله العظيم إذ يقول ” الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى