المقالات

كأس الخليج بطولة الشعوب

بقلم : سعيد الرواحي

منذ انطلاقتها، كانت كأس الخليج لكرة القدم مناسبة اجتماعية ورياضية خاصة، تنتظرها شعوب المنطقة بشغف، وتستعيد معها ذكريات أجيال من اللاعبين والجماهير والمباريات التي بقيت عالقة في الذاكرة.

ولعل أجمل ما في كأس الخليج أنها ظلت، رغم كل ما مرت به المنطقة من تحولات وخلافات سياسية، مساحة كروية تجمع أبناء الخليج بعيدًا عن متاهات السياسة. فالسياسة لها حساباتها، أما كرة القدم فلها مدرجاتها وفرحتها وتنافسها الجميل. ولهذا بقيت “خليجي” بطولة الشعوب الخليجية ومحبوبتها منذ تأسيسها.

ومن الطبيعي أن ترافق البطولة مساحات واسعة من التحليل والنقد، خصوصًا مع الانتشار الكبير للبرامج الرياضية ومنصات التواصل الاجتماعي. والنقد الفني مطلوب، بل هو جزء مهم من تطور كرة القدم، لكن الفارق كبير بين النقد المهني والإساءة الشخصية. وقد أساءتنا، كعُمانيين، بعض التحليلات التي كانت تنتقص من المنتخب العُماني، رغم أنه فرض نفسه كمعادلة صعبة في البطولة منذ عام 2017.

يمكن للمحلل أن ينتقد مدربًا أو لاعبًا أو حكمًا أو اتحادًا، وأن يختلف بقوة مع القرارات والمستويات الفنية، لكن دون كلمات نابية أو تجريح أو سخرية أو انتقاص من الآخرين. فقوة التحليل يجب أن تكون مدعومة بالحجة والمعلومة والقدرة على تشخيص الخطأ واحترام المختلف، لا بإطلاق الكلمات النابية عديمة المسؤولية.

إلى ذلك، هناك قضية أخرى أرى أنها تستحق نقاشًا خليجيًا هادئًا، وهي التجنيس الرياضي في كأس الخليج.

فهذه البطولة تحمل هوية وتاريخًا وخصوصية اجتماعية واضحة، ومتابعتها الشعبية الواسعة في دول الخليج، بل وفي كثير من الدول العربية، نابعة إلى حد كبير من شعور الجماهير بأنها تشاهد منتخبات تمثل مجتمعاتها وبيئتها الكروية.

وقد شارك المنتخب اليمني في البطولة، ونحن نرحب باليمن وأهله بكل تأكيد، وأصبحت مشاركته جزءًا من المشهد الخليجي الكروي. لكن ذلك لا يعني فتح البطولة مستقبلًا أمام منتخبات أخرى بما يؤدي تدريجيًا إلى تغيير هويتها. كأس الخليج يجب أن تبقى خليجية بخصوصيتها وتاريخها.

والأمر نفسه يستحق النظر إليه عند الحديث عن التجنيس. لسنا ضد اللاعب المجنس من حيث المبدأ، فهذه مسألة تنظمها قوانين الدول واللوائح الرياضية الدولية، لكن خصوصية كأس الخليج تستدعي، في رأيي، وضع ضوابط خاصة للمشاركة في البطولة.

وجود لاعب أو اثنين أو ثلاثة من المجنسين في منتخب ما قد يكون مفهومًا، لكن عندما تصبح النسبة مرتفعة جدًا، وتقترب مثلًا من 70% من قوام منتخب مشارك، فإن السؤال يصبح مشروعًا؛ هل ما زلنا أمام المنتخب الذي يعرفه جمهوره ويرى فيه امتدادًا لمدارسه وأنديته ومواهبه المحلية؟

المسألة هنا ليست انتقاصًا من أي لاعب مجنس، ولا اعتراضًا على جنسيته أو حقه القانوني في تمثيل بلده الجديد، وإنما هي دعوة إلى حماية هوية بطولة لها طبيعة استثنائية.

لذلك، ربما حان الوقت لأن يناقش اتحاد كأس الخليج العربي لكرة القدم هذه المسألة بوضوح، وأن يبحث عن صيغة تحقق التوازن بين الأنظمة الرياضية المعمول بها وبين المحافظة على روح البطولة وهويتها، إن كانت اللوائح المنظمة تسمح بمثل هذا التنظيم.

لقد صنعت كأس الخليج تاريخها لأنها كانت قريبة من الناس. عرف الجمهور لاعبي منتخباته، وحفظ أسماءهم، واختلف حولهم، وفرح معهم وحزن لخسارتهم. وهذه العلاقة الإنسانية هي التي جعلت البطولة تعيش كل هذه العقود.

فلنحافظ عليها كتنافس قوي بلا إساءة، ونقد بلا تجريح، وبطولة خليجية تحتفظ بهويتها وروحها وذاكرتها الجميلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى