النداء الأخير

رأي _ وهج الخليج
النداء الأخير هو ذلك النداء الذي يتردد صداه كثيراً هذه الأيام بين أروقة مطار مسقط الدولي وجنبات صالاته وقاعات انتظاره، ذلك النداء الذي يتعذر على وحدات “الديسيبل” ومقاييس الصوتيات ترجمته وتصنيفه، هل تصنفهُ ضمن الموجات الصوتية أم همسات نجاة؟ ذلك النداء الذي يتسلل بهدوء تام إلى مسامع العابرين لمسقط عبر مطارها ممن أتعبتهم وعثاء السفر وأجهدتهم ضيوم الحروب، أولئك العابرون لأوطانهم العائدين لأهليهم بعد أن تقطعت بهم السبل ونادوا هل إلى خروج من سبيل؟ نداء يتسلل إلى أذان سامعيه هامساً لهم ادخلوها بسلام آمنين، ينتشر عبر المكبرات بدون ضجيج يفقد السمع أو بهرجة تورث المن والأذى.
وها هي الصورة تبدو واضحة جلية تدركها الأبصار وتعيها آذان الجالسين على مقاعد الانتظار، مسترقةً نظرتها الأخيرة عبر نافذة الطائرة وهي تمخر عباب السماء حاملة معها ما تبقى من خيوط السلام نحو العالم، مُحملةً هؤلاء العابرين رسالة مفادها أنّ السلام منهجا وأنّ الحكمة مَوْئِلا، كيف لا وهم رأوا ذلك رأي العين بعد أن حال موج الصراع بينهم وبين أوطانهم، فأبت عُمان أن تتركهم من المغرقين، جاعلة من سفينة سلامها ملاذاً حاملةً فيه من كل طيف أزواجاً شتى دون الالتفات إلى ما خط في وثيقة سفرهم من شعارات أوما تم تدوينه على صفحاتها من انتماءات. فما أن لامست أقادمهم تراب عُمان حتى تسللت إلى أرواحهم نفحات سلام وقلوبهم أضحت أمنة مطمئنة تغشها السكينة وتحفها روح الوائم.
لترسخ عُمان بذلك رسالتها للعالم مرة أخرى تلك الرسالة التي لا زالت واضحة جلية مفادها أن جبال النزاعات ورياح الصراعات لن تُنجي أصحابها من غرق موجها إذا ما اعتصموا بها، وأن حمائم السلام أقوى من قاذفات الصواريخ وأن وشائج المحبة والتقارب بين الشعوب أدعى أن تتبع، وأن الصدق في التعامل مع مختلف الأطراف أصلد قوةً من رواجم البارجات، وأن من يمد يده لنشر الوئام ليس كمن يعثو في الأرض فساداً يهلك الحرث والنسل. وسيدرك هؤلاء ولو بعد حين أن جبل توهمهم سيهوي بهم في أدنى دركات الذل والهوان، وأن الاقتتال الذي لا يُعرف إلى نهايتهُ أمداً قريبا لا ينهيه إلا السلام الذي نادت به عُمان.
لتظل عُمان شامخة أبية تحمل رايتها قيادة فذة حكيمة، تستمد شموخها من مجد تليد تجاوز عمرهُ اللاف السنين، وحنكته راسخة تلقي بظلال خيرها على شعبها وشعوب العالم. هكذا هي عُمان دائماً وأبداً تقرب ولا تفرق وتسعى لزرع بذور السلام عندما يكون غراس الأخرين الشر والعداء، وهكذا هم أبناء عمان كراماً أوفياء يمضون خلف قيادتهم حاملين راية السلام على عاتقهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. حفظ الله عُمان وسلطانها المفدى ومن يعيش عليها آمنة مستقرة سخاءاً رخاءاً وسائر بلاد المسلمين.



