هل تهدد خطة ترامب للسلام بتقسيم غزة وضم إسرائيل للضفة الغربية ؟

وهج الخليج – وكالات
مع انعقاد الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي تشكل وفقا لخطة ترامب للسلام في غزة وعززه قرار مجلس الأمن الدولي، وبرئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سيعود ملف قطاع غزة الفلسطيني إلى دائرة الاهتمام الدولي مجددا بعد أن تراجع قليلا منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية.
ويرى الدكتور نيل كويليام المتخصص في قضايا الطاقة والشؤون الخارجية أن هذا التطور يمنح الحكومات العربية والأوروبية فرصة لمراجعة الإطار الذي وضعه ترامب لإنهاء الصراع في غزة، وتعديل استراتيجياته في التعامل مع القضية. ويحذر كويليام في تحليل نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني الدول العربية والأوروبية من أن خطة ترامب قد تغلق أي أمل في قيام دولة فلسطينية وتُوجه ضربة قوية للقومية الفلسطينية، مضيفا أنه إذا لم تتحرك الدول العربية والأوروبية، فإنها تخاطر بتحقيق حلم اليمين الإسرائيلي بالاستيلاء على الضفة الغربية المحتلة.
ويقول كويليام الباحث الزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتشاتام هاوس أنه تم الترويج لاتفاقيات أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عام 1993 باعتبارها إنجازا تاريخيا، وتم تقديمها كعملية من شأنها تعزيز أمن إسرائيل، وفتح مسار تفاوضي نحو قيام دولة فلسطينية.
لكن هذه الاتفاقية، في الواقع، أنشأت نظاما للحكم الذاتي الفلسطيني المحدود، ما أدى إلى عرقلة التقدم نحو قيام الدولة، من خلال تأجيل جميع القضايا الجوهرية، وإبقاء سيطرة إسرائيل على الحدود والأمن والأراضي. كما أضعفت الاتفاقيات الوحدة الفلسطينية من خلال إضفاء الطابع الرسمي على هيكل إداري منفصل في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أدى إلى تعميق الانقسام السياسي بدلا من توطيد مشروع وطني موحد للشعب الفلسطيني.
ويضيف كويليام أن “الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة” التي طرحها الرئيس ترامب، والتي أقرها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، تنذر بتكرار الأخطاء نفسها. فهذه الخطة تضع قطاع غزة تحت نظام حكم خارجي متعدد المستويات، أُنشئ بأقل قدر من المشاركة الفلسطينية أو السيطرة على نتائجه. وبموجب الخطة، تتركز السلطة في مجلس السلام برئاسة ترامب نفسه. وسيمارس هذا المجلس سلطته على القطاع الفلسطيني من خلال المجلس التنفيذي لغزة، الذي لا يضم أي أعضاء فلسطينيين أو إسرائيليين، بينما ستوفر قوة استقرار دولية مؤقتة الأمن. كما تنشئ الخطة هيئة فلسطينية تكنوقراطية وغير مسيسة، هي اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المؤلفة من 15 عضوا، التي خضع تشكيلها لتدقيق إسرائيلي تحت إشراف أمريكي. فهي في جوهرها هيئة مختارة ومعتمدة من جهات خارجية، مع منح الفلسطينيين سلطة حقيقية ضئيلة، إن وجدت أصلا.
في الوقت نفسه يهدد تركيز قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الضيق على غزة بقطع ما تبقى من روابط سياسية واقتصادية بين القطاع والضفة الغربية، وإغلاق جميع السبل أمام قيام دولة فلسطينية. يتناول القرار قيام الدولة الفلسطينية كاحتمال مشروط، بتحقيق الأهداف المحددة في الخطة، ومنها نزع السلاح الفلسطيني بالكامل، وتحقيق مراحل أمنية موثقة، وإنشاء هيكل حكم فعال فضلًا عن إصلاح ناجح للسلطة الفلسطينية.
بعبارة أخرى، لا يُلزم قرار مجلس الأمن 2803 الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي بإقامة دولة فلسطينية، بل يُضفي الشرعية على الفصل التام بين غزة والضفة الغربية حتى 31 ديسمبر 2027 على الأقل، وهو موعد انتهاء ولاية مجلس السلام. وحينها، سيكون الأوان قد فات في ظل الممارسات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية. ليس هذا فحسب بل إن خطة “غزة الجديدة”، التي كشف عنها جاريد كوشنر في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس الشهر الماضي، تعيد صياغة القطاع بأكمله كمشروع لإعادة تطوير العقارات، حيث تقسم الخطة غزة إلى مناطق محددة تحل محل الأحياء القائمة، وتُحاكي مدن الخليج الحديثة كدبي.
كما تتعامل الخطة مع غزة كمشروع عقاري ساحلي، لا كجزء من دولة فلسطينية. وقد تم وضعها دون تشاور جاد مع الفلسطينيين، وتعطي الأولوية لتطوير المناطق الاقتصادية على حساب احتياجات وحقوق سكان غزة. بينما أعلن كوشنر عن تخطيطه لـ”نجاح باهر” في تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار في جميع أنحاء القطاع، فإن الواقع العملي يرجح خضوع عملية إعادة الإعمار لمعايير الوصول والسيطرة، بما يعني أن الأولوية ستكون للمناطق الخاضعة للسلطة العسكرية الإسرائيلية، في حين ستكون العملية محدودة في باقي القطاع، وبالتالي فإن إسرائيل وحلفاءها سيقررون أيضا أي الفلسطينيين سيُسمح لهم بالعيش في المناطق التي سيعاد إعمارها.
سيؤدي هذا فعلياً إلى ظهور قطاعين غزة. أحدهما سيكون جيباً معزولا صالحاً للسكن، ومنزوع السلاح، ومحايد سياسيا، وخاضع لإشراف إسرائيلي أو أمريكي دقيق. ومن المرجح أن يُديره محافظ فلسطيني قادر على التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، مثل مستشار الأمن القومي محمد دحلان. أما القطاع الآخر، حيث يوجد أغلب سكان غزة، فسيكون معزولا ومهمشا وغير مستقر، حتى إن لم يشكل تهديدا حقيقيا لإسرائيل. وقد يؤدي هذا إلى بدء مرحلة جديدة من تهجير الفلسطينيين وتشريدهم، مما يهدد بتأجيج موجة جديدة من المشاعر المعادية لإسرائيل، ليس فقط بين الفلسطينيين، بل بين عموم سكان الشرق الأوسط.
في المقابل وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي في 8 فبراير على حزمة إجراءات لفرض السيطرة الإسرائيلية على جميع أنحاء الضفة الغربية، وتسريع نمو المستوطنات فيها. وقال وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، عن هذه القرارات: “سنواصل دفن فكرة قيام دولة فلسطينية”. ويقول الدكنور كويليام إن الضم الفعلي للضفة الغربية يشهد تسارعا علنيا تماما ، ولا تجد إدانة المجتمع الدولي لذلك آذانا صاغية. وبينما أعربت إدارة ترامب عن معارضتها لعملية الضم، من المحتمل أن تمضي إسرائيل قدما ما لم تواجه ثمنا باهظا لقيامها بذلك.




