حسابات سلطنة عُمان وسط مكاسب “المجلس الانتقالي الجنوبي” في اليمن

وهج الخليج – جورجيو كافيين
يعتبر جورجيو كافييرو الرئيس التنفيذي لمركز دراسات وتحليلات دول الخليج في واشنطن، أن المكاسب الإقليمية السريعة التي حققها “المجلس الانتقالي الجنوبي” في جنوب اليمن تضع سلطنة عمان عند مفترق طرق استراتيجي، مما يجبر مسقط على إدارة المخاطر مع الحفاظ على حيادها الدبلوماسي.
وقال كافييرو في مقال تحليلي نشره المركز على صفحته الإلكترونية:” لقد أدت التطورات السريعة التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي في أعقاب عملية “المستقبل الواعد” إلى تهميش الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مما غيّر المشهد السياسي والأمني لليمن بشكل جذري، حيث ينقسم اليمن الآن بحكم الأمر الواقع على خط الشمال والجنوب، حيث تسيطر جماعة ” أنصار الله” أو المجلس الانتقالي الجنوبي على الغالبية العظمى من الأراضي. ومع اقتراب نهاية عام 2025، تتزايد المخاوف من تجدد الصراعات في اليمن وانزلاقه إلى حرب أهلية شاملة.
للمرة الأولى منذ ظهور المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، تجد سلطنة عُمان، التي تشترك في حدود طولها 187 ميلاً مع اليمن، نفسها على مقربة مباشرة من الجماعة الانفصالية، ومن وجهة نظر مسقط، تُثير هذه التطورات في جنوب اليمن قلقاً بالغاً وتُمثل تهديداً أمنياً خطيراً، وفي هذا السياق، تُولي سلطنة عمان اهتماماً بالغاً لشرق اليمن، وليس للجنوب ككل، ويُؤخذ احتمال امتداد الاضطرابات في شرق اليمن إلى السلطنة على محمل الجد، لا سيما في ظل حالة عدم اليقين المستمرة بشأن مستقبل محافظة المهرة المتاخمة للسلطنة ـ على حد اعتبار الكاتب.
وأدى هيمنة المجلس الانتقالي الجنوبي شبه الكاملة على أراضي جنوب اليمن إلى تغيير جذري في المشهد الاستراتيجي لمحافظة المهرة، ففي الوقت الراهن، وربما في المستقبل المنظور، لم تعد المحافظة قادرة على العمل كمنطقة عازلة بين سلطنة عُمان وبقية اليمن، ونظرًا للتوترات السابقة بين مسقط والمجلس الانتقالي الجنوبي، تُشكل هذه التطورات تحديًا أمنيًا وسياسيًا مباشرًا للسلطنة.
يستكمل المقال بالإشارة إلى ما قاله ـ محلل عُماني طلب عدم الكشف عن هويته ـ بشأن وجود المجلس الانتقالي الجنوبي على طول الحدود يتجاوز مجرد صراع داخلي على السلطة في اليمن، حيث ادعى المحلل أنه “كيان سياسي عسكري بحكم الأمر الواقع، يفتقر إلى الشرعية الدولية، ويرفض الوحدة اليمنية، ويتحدى علنًا توجهات سلطنة عُمان السياسية الراسخة”. وأضاف المحلل أن الوضع يثير مخاوف بشأن مخاطر عدم الاستقرار على طول الحدود المشتركة، والتهريب، واختراق أجهزة الاستخبارات، واحتمال تحول المهرة إلى “ساحة مجزأة تسيطر عليها جهات فاعلة غير حكومية مدعومة من الخارج”.
وفي رأي أخر يصف سالم الإسماعيلي المستشار السابق بوزارة الخارجية العمانية، والذي أبدى آراءه الشخصية لا آراء الحكومة العمانية، علاقة السلطنة بالمجلس الانتقالي الجنوبي بأنها “حذرة ونفعية”، مشيرًا إلى أن مسقط تنظر إلى تقدم الجماعة الانفصالية في جنوب اليمن “بقلق لا بحماس”. مؤكدا أن سلطنة عُمان لا تقيم أي انخراط سياسي جوهري مع المجلس الانتقالي الجنوبي، ويبقى أي تواصل غير مباشر ويركز على الأمن، مع التركيز على خفض التصعيد الحدودي بدلًا من التطبيع السياسي.
من جهته، يصف عبد الله بابود، الباحث العماني والأستاذ الزائر في جامعة واسيدا بطوكيو، العلاقة بين سلطنة عمان والمجلس الانتقالي الجنوبي بأنها “براغماتية أكثر منها أيديولوجية”. وأكد أن مسقط لا تقف، من حيث المبدأ، ضد أي طرف بعينه في اليمن، لكنها تظل “حذرة من أي تحركات تُخل بالتوازنات المحلية في شرق اليمن”. وأضاف بابود أن علاقة السلطنة بالجماعة الانفصالية في جنوب اليمن “تتأثر بالجغرافيا، وتوسع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، وتفضيل مسقط الدائم لخفض التصعيد والوساطة المحلية”.
وبشكل عام، يرتكز نهج سلطنة عُمان تجاه اليمن على الاعتقاد بأن مستقبل البلاد السياسي يجب أن يُصاغ بأيدي اليمنيين أنفسهم، لا أن تُفرضه جهات خارجية تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة. وقد وجّه هذا الاعتقاد دبلوماسية مسقط وحذرها من المبادرات المدعومة من الخارج والتي قد تُخلّ بالتوازن الداخلي لليمن، فمن وجهة نظر سلطنة عمان، لا يمكن فرض استقرار دائم عبر وكلاء أو جهات بديلة أو مخططات إقليمية مدفوعة خارجياً، بل يجب أن ينبع من عملية شاملة يقودها اليمنيون.
ويعتبر كافييرو أن سلطنة عُمان تسعى إلى التكيف مع هذه التغيرات من خلال تعاون انتقائي مع دول الخليج الأخرى. ويُعدّ الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي جوهر نهج مسقط، إذ يتجنب الانخراط في معسكرات جيوسياسية متنافسة، مع الانفتاح على التعاون مع الدول التي تشارك عُمان اهتمامها بتعزيز الاستقرار ومكافحة التطرف العنيف في اليمن، وبعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على مساحات واسعة من الأراضي في أوائل ديسمبر 2025، انخرط مسؤولون عُمانيون وسعوديون في مشاورات مكثفة، مع تركيز الجانبين بشكل قوي ومشترك على التطورات في اليمن، حيث تجد مسقط والرياض أرضية مشتركة. أوضح بابود أن “سلطنة عُمان ستنسق مع المملكة العربية السعودية في المجالات التي تتداخل فيها المصالح بوضوح، لا سيما فيما يتعلق باستقرار الحدود واحتواء المخاطر في شرق اليمن. ومع ذلك، من غير المرجح أن تتبنى مسقط نهجًا تحالفيًا كاملًا؛ إذ ستحافظ على مسار دبلوماسي مستقل يركز على تجنب الصدام بدلًا من التنافس”.
ومن بين المجالات التي يُرجح أن تُعزز فيها سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية التنسيق خلال عام 2026، مكافحة شبكات التهريب، ومنع التفكك غير المنضبط، والتواصل مع الأطراف اليمنية لتهدئة التوترات القائمة، سيكون هذا التعاون عمليًا ومحددًا للقضايا، بدلًا من أن يتطور إلى تحالف كامل مع المملكة العربية السعودية أو أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي.
من جهة أخرى، يتحدث صاحب المقال عن العلاقات مع إسرائيل، حيث يقول أنه لا يغيب عن بال أحد إسرائيل، الدولة التي تستفيد بشكل كبير من المكاسب الإقليمية التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي في جنوب اليمن، فإقامة حكم جنوب اليمن من قبل المنظمة المدعومة من الإمارات سيمنح إسرائيل موطئ قدم رئيسياً على حدود سلطنة عُمان، وهو تطور يثير قلقاً بالغاً لدى المسؤولين العُمانيين ـ على حد قوله.
ولطالما عبّرت سلطنة عمان عن موقف حازم داعم للحقوق الفلسطينية، واستخدمت لغة قوية للتعبير عن معارضتها لحملة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، مما جعل هذه القضية خطاً أحمر سياسياً وأخلاقياً واضحاً في السياسة الخارجية العُمانية، في هذا السياق، يُشكّل انفتاح المجلس الانتقالي الجنوبي على التطبيع مع إسرائيل، أو انحيازه إلى تل أبيب في البحر الأحمر وخليج عدن، فجوة كبيرة في المصداقية، فبالنسبة لسلطنة عُمان، فإنّ الانخراط مع أي طرف يُنظر إليه على أنه يُطبع العلاقات مع إسرائيل وسط الصراع الدائر في غزة يُكبّدها خسائر فادحة في السمعة، ويُقيّد قدرتها على المناورة الدبلوماسية، ويُهدد بتقويض مصداقية مسقط كوسيط محايد.
يُحدّ هذا الوضع من إمكانية إقامة علاقات بنّاءة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، ويُعزّز مخاوف عُمان من أن جنوب اليمن يتحوّل ليس فقط إلى تحدٍّ أمني، بل أيضاً إلى ساحة جيوسياسية تتعارض جوهرياً مع مواقف سلطنة عُمان الإقليمية الأساسية، علاوة على ذلك، من غير المرجّح أن تتسامح سلطنة عُمان مع بيئة استراتيجية يتغلغل فيها النفوذ الإسرائيلي، أو نفوذ شركائها الإقليميين، في جوارها المباشر، لا سيما في مناطق حساسة كالمهرة وسقطرى.
تدخل سياسة سلطنة عُمان تجاه اليمن مرحلة من التشدد الاستراتيجي مع الحفاظ على توجهها الدبلوماسي الراسخ، وفي 26 ديسمبر، أصدرت وزارة الخارجية العُمانية بيانًا أكدت فيه دعمها للحل السلمي والحوار في اليمن، لا سيما في المهرة وحضرموت، مع الإشادة بجهود المملكة العربية السعودية للتوسط مع الأطراف المعنية. كما شددت سلطنة عمان على ضرورة تجنب التصعيد، والعودة إلى المسار السياسي، والسعي إلى حوار سياسي شامل وجامع لترسيخ الأمن والاستقرار والسلام وعلاقات الجوار.
وبينما ستواصل السلطنة الدعوة إلى الحوار، وإيصال المساعدات الإنسانية، والحلول السياسية الشاملة، فمن المتوقع أيضًا أن تستثمر بشكل أكبر في مراقبة الحدود، والمراقبة البحرية، والردع الدفاعي، لا سيما في ظفار وعلى طول الممرات البحرية الحيوية. ويعكس هذا التحول تركيزًا متزايدًا على إدارة المخاطر بدلًا من التصعيد، بهدف حماية عُمان من تداعيات عدم الاستقرار. وتُعامل البنية التحتية الاقتصادية والموانئ وأمن الحدود بشكل متزايد كخطوط حمراء واضحة، مما يُشير إلى العزم مع الحفاظ على تفضيل مسقط لخفض التصعيد.
دبلوماسياً، ستسعى عُمان إلى ترسيخ مكانتها كفاعلٍ مُستقرٍّ يُعارض انهيار الدولة اليمنية التام والتقسيم المفروض من الخارج، ومن المُرجّح أن تُكثّف مسقط جهودها الدبلوماسية مع الفاعلين اليمنيين الرئيسيين، فضلاً عن الجهات الإقليمية والدولية المعنية، كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأمم المتحدة، حيث تهدف هذه الجهود إلى الحفاظ على قنوات الوساطة ومنع المزيد من التشرذم. وفي الوقت نفسه، ستُفضّل عُمان استخدام الأدوات غير العسكرية، بما في ذلك المساعدات الإنسانية والتواصل القنصلي ودعم الحكم المحلي، كوسيلة لتحقيق الاستقرار في المناطق المجاورة وتعزيز نفوذها الدبلوماسي.
ويبدو أن الدبلوماسية الهادئة، والتدابير الأمنية المدروسة، والصبر الاستراتيجي، كلها عناصر أساسية في استراتيجية مسقط وسياستها، ومن المتوقع تعزيز المراقبة، وتوطيد العلاقات مع القادة المحليين في المهرة وحضرموت، وتوسيع نطاق خطط الطوارئ على طول الحدود العُمانية. مع ذلك، إذا استمر جنوب وشرق اليمن في التحول إلى ساحة لعداء مستمر أو تطويق استراتيجي، فإن سلطنة عُمان مستعدة لإعادة تقييم نهجها بحزم، دون استعراضات أو تدخل عسكري عُماني في اليمن. وكما صرّح الإسماعيلي: “ستكون سياسة عُمان بسيطة وثابتة: حماية الحدود، وحماية الشعب، والحفاظ على قنوات الحوار، حتى عندما يُفضّل الآخرون الإكراه”.
يختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن الآراء والوجهات النظر الواردة هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء منتدى الخليج الدولي.





