فترة تهدد العالم بسيناريوهات خطيرة .. ماذا تعرف عن وضع “البطة العرجاء” لترامب؟

وهج الخليج – وكالات
مع انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس وفوز معارضيه من الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، أصبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن في وضع “البطة العرجاء” قبل نحو عامين من انتهاء ولايته. ففي الولاية الثانية والأخيرة يواجه أي رئيس أمريكي فقد حزبه السيطرة على الكونجرس صعوبة بالغة في تمرير أي مبادرات أو خطط داخلية كبيرة، بسبب معارضة الكونجرس، فيلجأ إلى الساحة الخارجية بحثا عن تحقيق إنجاز يذكره له التاريخ، بسبب هامش الحركة الأوسع المتاح له مقارنة بالشأن الداخلي.
وفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين افيرز الأمريكية قال دانيل دريزنر العميد الأكاديمي وأستاذ السياسات الدولية في كلية فلكتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس الأمريكية وإليزابيش ساندرز أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا الأمريكية إن فترة “البطة العرجاء” الحالية لترامب لن تشبه فترات أسلافه، لأنه مر بالفعل بمثل هذه الفترة عندما خسر انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر 2020 وظل رئيسا حتى تنصيب خليفته جو بادين في يناير 2021، حيث استغلها للطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية رغم الأدلة الواضحة على فوز منافسه بايدن. وأصبح ترامب أول رئيس أمريكي يخدم فترتين رئاسيتين غير متتاليتين منذ 100 عام، لذا فهو الرئيس الأمريكي الوحيد في الذاكرة المعاصرة الذي يواجه فترة ثانية من وضع “البطة العرجاء” – والتي ستمتد هذه المرة لأكثر من عامين.
في الوقت نفسه فإن سيطرة الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، يتيح لهم تهديد ترامب بالعزل أو فتح تحقيقات في المعاملات التجارية لعائلة ترامب مما سيجعله على الأرجح يشعر بأنه محاصر ومحبط، وهو ما يجعل ما تبقى من ولايته فترة بالغة الخطورة. فترامب المحاصر، المفتقر لمسار واضح ومفيد في السياسة الخارجية، قد يلجأ إلى ردود فعل عدائية على الصعيد الدولي. وفي المقابل، لا يملك الكونجرس -حتى وإن كان تحت سيطرة الديمقراطيين- أي سيطرة حقيقية على الإدارة اليومية للسياسة الخارجية.
يقول دريزنر وساندرز إن هناك قضايا عديدة قد يمارس فيها ترامب سلوكا تصعيديا خطيرا، مثل استئناف تهديداته لكندا وهجومه على التحالفات الأمريكية أو التواطؤ مع روسيا أو الصين على حساب أوكرانيا أو تايوان. لكن لحسن الحظ سيتطلب تحويل هذه التهديدات إلى سياسات فعلية جهودا جادة، مثل إعادة تموضع القوات الأمريكية أو الدخول في مفاوضات شاقة ومعقدة مع قوى عظمى أخرى. لكن قد يجد ترامب في كل من إيران وكوبا مكانين مناسبين لممارسة سياساته العدوانية بأقل قدر من المقاومة، وإن كانت فرصه في تحقيق أي نجاح حقيقي مع البلدين تظل ضعيفة. بل إن استئناف الحرب ضد إيران سيعرض الاقتصاد العالمي، وأمن واستقرار حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي، للخطر. كما قد يسعى ترامب أيضاً إلى محاولة تغيير نظام الحكم في كوبا بالقوة العسكرية. وسواء لاستئناف الحرب ضد إيران أو شنها ضد كوبا، لا يحتاج الأمر سوى قرار من ترامب نفسه، لذلك يظل العامل الوحيد الذي يمكن أن يقيد تصرفاته على الساحة الدولية هو حرصه على إرثه السياسي.
وربما يتوقع المرء اتجاه ترامب نحو الدبلوماسية لتحقيق إنجاز يذكر له، خاصة في ظل فقدانه لدعم الكونجرس وسعيه المستمر للحصول على جائزة نوبل للسلام. لكن المشكلة تكمن في أنه استنفد بالفعل العديد من الأوراق التي يلجأ إليها عادةً الرؤساء الأمريكيون في فترات ولايتهم الأخيرة لتحقيق انجاز دبلوماسي. فخلال ولايته الأولى من 2017 إلى 2020، سعى ترامب لتحقيق إنجازات كبرى في السياسة الخارجية؛ فانسحب من الاتفاق النووي الإيراني والتقى بالزعيم الكوري الشمالي كيم يونج أون ثلاث مرات، واستبدل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) لتحل محلها اتفاقية تجارية إقليمية خاصة به، وسهل تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وانسحب من حزمة واسعة من الاتفاقيات الدولية.
لذا من غير المتوقع عودة ترامب إلى معظم هذه المبادرات؛ حيث بلغ أقصى ما يمكن لدبلوماسيته القائمة على “الاستعراض” أن تحققه. فعلى سبيل المثال، كان ترامب قد أبدى رغبته في الاستحواذ على جزيرة جرينلاند الدنماركية، لكن انتهى به المطاف بالتوصل إلى اتفاق يكتفي بتوسيع الوجود العسكري الأمريكي في تلك المنطقة. أما “مجلس السلام” الذي طرحه كبديل لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فسيظل مجرد شعارات، خاصة وأن الدول الأخرى باتت تشعر بعدم الاضطرار للانصياع لكل نزواته.
أيضا قد يحاول ترامب إنهاء صراعات مستعصية في كشمير بين الهند وباكستان أو السودان، بهدف رسم صورة لنفسه كصانع سلام. لكن حل مثل هذه القضايا أمر بالغ الصعوبة حتى في أفضل الظروف، لأن الوصول لحل ولو بفرض اتفاق غير متكافئ على أطراف الصراع، يتطلب قدرا من المهارة، والخبرة الإقليمية، والصبر؛ وهي سمات يفتقر إليها ترامب.
ربما تكون الخطوة الأكثر جرأة التي قد يقوم بها ترامب هي تشكيل “تحالف للقوى العظمى”؛ أي إيجاد منبر يجمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جين بينج، للعمل معاً على فرض نظام عالمي. لكن وكما كان الحال في معظم لقاءاته السابقة مع بوتين وشي، من غير المرجح أن تسفر هذه القمم عن أي نتائج جوهرية. فلم تبد روسيا أو الصين أي اهتمام بدعوة ترامب لعقد معاهدة نووية ثلاثية، كما أنهما لا تتحمسان للضغط على إيران كي تقبل بإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه قد يضحي ترامب بأوكرانيا أو تايوان لاسترضاء بوتين وشي، من أجل التوصل إلى اتفاق مع الزعيمين بأي ثمن. لكن العامين الماضيين أثبتا أن بوتين غير مهتم بتقديم تنازلات، ولديه الموارد اللازمة لمواصلة القتال في أوكرانيا. في الوقت نفسه يرى شي أن قضية تايوان شأن صيني داخلي، ولن يقبل بأي قيود على نهجه تجاه الجزيرة. وفي نهاية المطاف، سيدرك ترامب أن الاستفادة من المظهر العام لقمة تجمع الزعماء الثلاثة أفضل له من بذل الجهد اللازم للتوصل إلى أي نوع من الاتفاقات الفعلية.
لذا فالخطر الأكبر كما يرى دريزنر وساندرز مؤلفة كتاب “لعبة العالمين ببواطن الأمور: كيف تصنع النخب الحرب والسلام” هو أن يقرر ترامب استئناف الحرب ضد إيران لأنه يبدو مقتنعا بأن التصعيد قد يكسر حالة الجمود وينقذ إرثه السياسي. لكن القادة الإيرانيين لن يتراجعوا أمام المزيد من القوة؛ بل على العكس، من المرجح أن يكثفوا هجماتهم على الملاحة التجارية، ويستهدفوا حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، ويتجاهلوا أي مبادرات دبلوماسية إلى حين مغادرة ترامب لمنصبه. في الوقت نفسه، قد تكون خيارات ترامب محدودة؛ لأن أي تصعيد كبير كمحاولة غزو جزيرة خرج مركز صناعة النفط الإيرانية سيواجه على الأرجح رفضا واسعا حتى من داخل قاعدة ترامب الجماهيرية، وهو ما سيجعله يتجنب الإقدام عليه. كما أن تجدد الصراع قد يدفع العالم نحو أزمة اقتصادية.
وقد يسعى ترامب أيضا إلى فرض تغيير في نظام الحكم في كوبا؛ فقد فرض حصاراً شاملاً على الجزيرة طوال معظم عام 2026 بهدف إضعاف دفاعاتها. وفي ظل انقطاع شريان الحياة القادم من فنزويلا، ومعاناة البلاد من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يوميا، تفاقمت الصعوبات الاقتصادية والمعاناة الإنسانية في كوبا بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة. وتعد الإطاحة بالحكومة الكوبية أولوية شخصية لماركو روبيو -الذي يشغل منصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في إدارة ترامب- كما يتماشى هذا التوجه مع ما يُعرف بـ ” مبدأ دونرو” الذي يؤكد ضرورة هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي.
وقد يبدو شن هجوم على كوبا خيارا جذابا بالنسبة لترامب؛ فهو لا يحتاج إلى حشد قوات كبيرة، وسيؤدي ،من وجهة نظره على الأقل، إلى حل مشكلة أرقت الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية عهد إدارة الرئيس الراحل دوايت أيزنهاور في خمسينيات القرن العشرين. وربما كان ترامب ليتحرك بالفعل ضد كوبا لولا انشغاله المفرط بملف إيران. ومع ذلك، وكما أوضح عالم السياسة ألكسندر داونز، فإن استخدام القوة لتحقيق تغيير في النظام نادرا ما ينجح، وغالباً ما يؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها؛ ففي حالة كوبا، قد يعني ذلك تدفقاً جديداً للاجئين نحو الولايات المتحدة.
لكن ترامب، وهو في وضع “البطة العرجاء” قد يرى في هذا الأمر مقامرة تستحق العناء، على أمل أن يكون هو الرئيس الذي ينجح أخيراً في الإطاحة بالنظام الشيوعي. ففي مجال السياسة الخارجية، لا شيء يستهوي ترامب أكثر من محاولة حل معضلات بالغة التعقيد بضربة واحدة. كما قد ينظر إلى تغيير النظام في كوبا كوسيلة لصرف الانتباه عن إخفاقه في الملف الإيراني.
وهناك احتمال آخر، وهو أن يركز ترامب على تحقيق مكاسب شخصية لعائلته في الخارج. ووفقا لمجلة “ذا نيويوركر”، فقد كسبت عائلة ترامب 4 مليارات دولار من خلال وجوده في البيت الأبيض. ونظراً لثقته بأن مجلس الشيوخ لن يتمكن من حشد الأصوات الـ 67 اللازمة لعزله من منصبه، قد يرى ترامب أنه لا يملك ما يخسره إذا ما مضى قدماً في المزيد من الخطط الرامية لجني الأموال.
أخيرا يظل هناك الخيار الأكثر مفاجأة وهو أن يختار ترامب ألا يفعل شيئاً على الإطلاق فيما تبقى من ولايته. فقد انشغل الرئيس بإعادة تشكيل واشنطن العاصمة على صورته الخاصة؛ من خلال تغيير ديكور المكتب البيضاوي، وتصميم قاعة احتفالات في البيت الأبيض، ومحاولة إجراء تعديلات على مركز كينيدي. وهناك احتمال أن يقضي العامين الأخيرين من ولايته في إصدار العفو الرئاسي، ومحاولة ملاحقة خصومه السياسيين، وإقامة نصب تذكارية لنفسه، وهو السيناريو الأفضل للعالم.




