أطباء الأسنان: بين ألمٍ لا يحتمل وعدالةٍ مؤجلة

بقلم : علي المجيني
يُعد ألم الأسنان من ضمن أشد الآلام الطارئة التي لا تحتمل الانتظار، فهو يسرق الراحة ويعطل تفاصيل الحياة، خاصة في ساعات الليل حين يصبح الوصول إلى طبيب الأسنان المناوب ضرورة عاجلة و مهمة ، فوجود الطبيب في تلك اللحظة هو الفارق بين ليلة قاسية وأمل في الشفاء ، وهو ما يبرز أهمية هذا التخصص في المنظومة الصحية المتكاملة المنشودة في عمان .
لكن خلف هذه الصورة اﻻجتماعية و الإنسانية، تبرز قضية مهنية تستحق إعادة النظر في وضع خريجي طب الأسنان في سلطنة عمان ، فبينما يُستوعب الأطباء العامون – وهم اطباء حديثو التخرج من كليات الطب من داخل السلطنة او خارجها – في برامج تدريبية متكاملة تشمل المرور على المستشفيات الحكومية والتعرف على مختلف الأقسام قبل اختيار تخصصهم الدقيق، يُترك أطباء الأسنان خارج هذا الإطار وكأنهم تخصص ثانوي لا يُعامل بالإنصاف.
فالعدالة المهنية تقتضي أن يُمنح كل خريجي طب الأسنان ذات الفرصة، فيُدرجون ضمن التعيين في الوزارة مع برنامج تدريبي شامل يمتد لسنة كاملة، يتعرف خلالها على أقسام طب الأسنان في المستشفيات، ثم يُتاح لعدد منهم اختيار التخصص الدقيق وفقاً لاحتياجات المؤسسات الصحية الحكومية، مثل جراحة الفم والوجه و الفكين و تقويم الاسنان و زراعتها و طب اسنان اﻻطفال و علاج الجذور والاعصاب وغيرها من التخصصات الدقيقة او العامة ، وكما هو الحال مع بقية الأطباء العامين.
و تشير البيانات اﻻحصائية إلى أن كلية عمان الخاصة لطب الأسنان في مسقط تخرّج سنويًا ما بين ٣٠ إلى ٤٠ طالبًا عمانيًا، بينما يعود من الابتعاث الخارجي ما يقارب ٣٠ خريجًا من جامعات في الأردن ومصر وماليزيا وأستراليا والمملكة المتحدة. كما أن هناك طلبًا اﻻن مقدمًا لوزارة التعليم لفتح كلية خاصة جديدة لطب الأسنان قد تستوعب بين ٢٠ إلى ٤٠ طالبا، وهو ما يضاعف التحديات في التوظيف ويزيد الحاجة إلى إعادة هيكلة برامج التشغيل في وزارة الصحة.
و الوضع الحالي يكشف أن الوزارة لا تستوعب خريجي طب الأسنان بنفس الآلية التي تُطبق على الأطباء العامين، بل تعتمد على نظام التوظيف عبر الإعلانات والشواغر، وكأن هذا التخصص مجرد فرع مساعد لا كركيزة أساسية صحية ، ففي كل عام تُعلن الوزارة احتياج من ١٦ الى ٢٠ وظيفة فقط لأطباء الأسنان موزعة على المحافظات، وهو عدد محدود مقارنة بحجم المخرجات الذي يقدر بـ ٧٠ خريجًا سنويا ، هذا التفاوت يثير تساؤلات حول جدوى الإنفاق الحكومي لمخصصات اﻻبتعاث و التي تصل من ٧٠ الى ١٥٠ ألف ريال عماني وهو تكلفة دراسة طبيب واحد فقط بين الابتعاث الداخلي او الخارجي ، هذه المبالغ المستنزفة من ميزانية الدولة أﻻ تجد اهتماما في مخرجاتها ،
رغم أن هؤلاء الأطباء العمانيين اجتهدوا وبذلوا عبر سنوات دراستهم ليخدموا النظام الصحي، إجلالًا وتقديرًا لما منحتهم الدولة من فرصة يرونها تاجًا ومستقبلًا مشرقًا يتواصل عطاؤه على هذه الأرض الطيبة .
ومن هنا تبرز الحاجة أيضًا إلى تنسيق وتعاون بين وزارة الصحة و وزارة التعليم للنظر في أعداد المتوقع تخرجهم في تخصص طب الأسنان قبل كل عام، حتى يتاح الوقت المناسب للتخطيط المسبق وربطها بالاستيعاب المباشر لهم وتوزيعهم بعد تخرجهم في القطاع الصحي لعموم السلطنة، مع رؤية مستقبلية تشغيلية تمتد لسنوات. وإلا فإن الخريجين سيجدون أنفسهم في طوابير الباحثين عن عمل، أو تحت ضغط الإمكانيات والمزايا المتواضعة التي يقدمها القطاع الخاص، أو يكونون مجبرين على خوض مغامرات مالية محفوفة بالمخاطر بإنشاء عيادات خاصة قد تقودهم إلى الخسائر. مع أن هذه القضية قد نوقشت في مجلس الشورى والمجلس العُماني للاختصاصات الطبية منذ سنوات، إلا أنها لا تزال في طور الدراسة والبحث عن حلول.
و في المقابل تشير بيانات الكتاب الإحصائي السنوي إلى أن سلطنة عمان تضم ٢٧٨ مستشفى و مجمعا و مركزا صحيا ، هذا العدد الكبير من المؤسسات الصحية يكشف أن استيعاب نحو ٧٠ طبيب أسنان سنويًا ليس معضلة، بل هو خدمة صحية مهمة في توفيرها لعموم السلطنة و وُضع نظام توزيع عادل يضمن تعيين طبيب أسنان واحد على الأقل في كل مستشفى ومجمع ومركز صحي رئيسي. ويجب على وزارة المالية توفير الدرجات المالية اللازمة لتعيين هؤلاء الأطباء لتخفيف طوابير الانتظار في مواعيد العلاج التي تتراوح بين ستة أشهر وسنة.
إن غياب هذا التخطيط هو ما يجعل هذا الوضع متصاعدا سنويا و يكتنفه المصاعب والمحن في المنظومة الصحية ، رغم أن معدل أطباء الأسنان في السلطنة لا يتجاوز 3.5 لكل عشرة آلاف نسمة، وفي الدول المتقدمة يتجاوز المعدل عشرة أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، مما يبرهن أن الحاجة لتعيين المزيد من أطباء الأسنان في عمان ليس صعبا بل ضرورة صحية ملحّة.
والخلاصة: فأن وزارة الصحة تتعامل مع خريجي طب الأسنان عبر التوظيف المباشر حسب الشواغر، دون وجود برنامج تدريبي عام أو مسار واضح لمساواتهم بالأطباء العامين ، هذه الفجوة تُضعف فرصهم في اختيار التخصصات الدقيقة وفق احتياجات المستشفيات، وتضع الوزارة أمام مسؤولية إعادة هيكلة برامجها التشغيلية لتشمل أطباء الأسنان، ضمانًا للعدالة المهنية وتوازن سوق العمل الصحي ، فألم الأسنان لا يعرف الانتظار، والعدالة المهنية لا تحتمل التأجيل.



