أخبار العالم

تحليل سياسي: لا بديل عن التسوية السياسية في اليمن لتجنب حرب إقليمية ممتدة

وهج الخليج – وكالات

شهدت الأيام القليلة الماضية تطورات جذرية في الحرب بين “أنصار الله” والحكومة في اليمن، مما أسفر عن تغييرات على الأرض تهدد بإعادة رسم خريطة الصراع الأوسع نطاقا في الشرق الأوسط.
ففي منتصف الأسبوع الماضي شنت “أنصار الله” هجوما واسعا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على الأراضي السعودية مما أسفر عن نشوب النار في منشآت نفطية وإصابة أكثر من 70 مدنيا. وفي الأيام التالية وبعد أيام من القتال العنيف على طول خطوط المواجهة الرئيسية داخل اليمن، تمكن “أنصار الله” من السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي، وعلى جزيرة بريم عند مدخل مضيق باب المندب، وهو ما يمثل تحولا جذريا في موازين القوى في اليمن، مع ما يترتب عليه من تداعيات محتملة على المنطقة بأسرها، بحسب تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية لكل من أبريل لونجلي أللي المستشار السياسي لمبعوث الأمم المتحدة لليمن خلال الفترة من 2020 و2024 وأليسون مينور مدير مشروع تكامل الشرق الأوسط في معهد المجلس الأطلسي للدراسات.
ويرى مينور وأللي أن ما حققه “أنصار الله” مؤخرا يمثل انتصارا لإيران أيضا، إذ أن سيطرة “أنصار الله” على كل المخا وجزيرة بريم ستتيح لهم ترسيخ أنفسهم كقوة مؤثرة في المضيق الحيوي الذي يمر منه جزء كبير من التجارة الدولية وبخاصة بين آسيا وأوروبا. في الوقت نفسه كان توقيت تصعيد “أنصار الله” ، بالغ الأهمية، بعد أن أصبح البحر الأحمر البديل الحيوي لتصدير النفط السعودي بعيدا عن مضيق هرمز على الخليج الذي أغلقته طهران فعليا من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها في 28 فبراير الماضي. وتقول آبريل الباحثة الزميلة في معهد واشنطن للدراسات، ومينور الذي عمل كنائب للمبعوث الأممي لإيران خلال الفترة من 2021 إلى 2023، إن “أنصار الله” من خلال مهاجمة الأراضي السعودية وتصعيد هجماتهم على القوات الحكومية في اليمن واستيلائهم على المزيد من المواقع فيها، فتحوا فعليا جبهة ثانية في الحرب مع إيران، مما يوسع نطاق الصراع ويزيد الضغط على أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية.
ويقول مسؤولون إيرانيون إن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يتطلب إنهاء الحصار المفروض على اليمن، وهو ما يعني رفع السعودية جميع القيود المفروضة على عبور الأراضي التي يسيطر عليها “أنصار الله” ، بما فيها العاصمة صنعاء، وإنهاء دعمها للحكومة اليمنية. وفي ظل هذا النظام الإقليمي المتغير، تسعى إيران وحلفاؤها إلى ترسيخ وضع جديد من خلال السيطرة على أهم المعابر البحرية في الشرق الأوسط.
والحقيقة أن الخيارات المتاحة لمواجهة تحدي “أنصار الله” تنتقل من السيء إلى الأسوأ. فقد انكشفت بعض الحقائق الصعبة، منها أن الحل العسكري الحاسم لتهديدات “أنصار الله” غير وارد. فعلى الرغم من كل تهديداتها العلنية، لا تزال القوات الحكومية اليمنية تعاني من انقسامات داخلية، مما يشير إلى استمرار ضعف التنسيق بين التحالف المناهض لـ”أنصار الله” . علاوة على ذلك، فإن مكاسب “أنصار الله” تقوض فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية. ومن المرجح الآن أن تصبح الجماعة المسلحة أكثر تشددا في مطالبها وطموحاتها لفرض سيطرتها على البحر الأحمر.
في الوقت نفسه لا توجد حلول سهلة. في الوقت الراهن، يجب أن تكون الأولوية بالنسبة للسعودية والولايات المتحدة وحلفائهما اليمنيين حماية خطوط المواجهة الرئيسية الأخرى من تقدم “أنصار الله”، وعرقلة محاولاتهم لترسيخ سيطرتهم على شمال اليمن وباب المندب. في المقابل يتعين على التحالف اليمني المناهض لـ”أنصار الله” معالجة الانقسامات التي لا تزال تمزقه، والاتفاق على رؤية سياسية موثوقة لحل النزاع اليمني. وبدون ذلك ستزداد مخاطر حدوث اضطرابات أكبر في صفوف الحكومة الشرعية، وسيتسع نطاق تهديد “أنصار الله” في المنطقة.

ـ من المضيق إلى البحر
وبحسب التحليل المشترك المنشور في فورين أفيرز فإن “أنصار الله” التزموا الحياد خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، إلا أن هذا الحياد النسبي تبدد في منتصف يوليو، عندما أعادت إيران وفدا من الجماعة من طهران إلى صنعاء، متحدية بذلك سيطرة الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية على المجال الجوي اليمني. ولمنع الطائرة من الهبوط، قصفت السعودية والحكومة اليمنية المدرج الوحيد في مطار صنعاء. ورغم هبوط الطائرة في ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة “أنصار الله” ، منح العمل السعودي “أنصار الله” ذريعة للتخلي عن هدنة 2022 واستئناف القتال سواء ضد المملكة أو ضد الحكومة الشرعية وحلفائها.
ومنذ توقف الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد “أنصار الله” في اليمن، بعد دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التطبيق في أكتوبر الماضي، كثفت جماعة “أنصار الله” جهودها لتعزيز قدراتها العسكرية. وخلال حرب غزة، زودت روسيا “أنصار الله”بمعلومات استخباراتية لمساعدتها في استهداف السفن. كما فكرت في تزويدهم بأسلحة متطورة، إلا أن الرياض نجحت في إثناء موسكو عن ذلك في نهاية المطاف. واليوم، وكما ورد في تحليل حديث بمجلة “فورين أفيرز”، يستغل “أنصار الله” سلاسل إمداد متنوعة وشبكات مالية مشبوهة، بالتزامن مع بناء قدرات إنتاجية محلية. لذلك، تمكنوا من تعزيز ترسانتهم، حتى بدون الحصول على أسلحة من إيران مباشرة، كما كان الحال قبل ذلك.
ويعتقد “أنصار الله” الآن أن بإمكانهم الحصول على شروط أفضل من خارطة الطريق التي أقرتها الأمم المتحدة لتحقيق السلام في اليمن عام 2023، بما في ذلك تعويضات الحرب. ومن المرجح استمرار هذه المطالب في الارتفاع، مع تقدمهم على الأرض.
وبالنسبة للسعودية ومع اعتمادها المتزايد على البحر الأحمر، ربما توقع “أنصار الله” أن تستجيب المملكة سريعا لمطالبهم. إلا أن تحركاتهم عززت على ما يبدو تصميم الرياض على مواجهتهم. وبينما كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يفضل خفض التصعيد، أو على الأقل تأجيل المواجهة إلى حين التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني يقلل اعتماد المملكة على البحر الأحمر، لم يمنح الحوثيون السعوديين أي فرصة للانتظار.
مع ذلك، لا تزال هناك فرصة سانحة لمنع خروج التصعيد عن السيطرة والعودة إلى طاولة المفاوضات. لتحقيق ذلك، تحتاج السعودية والحكومة اليمنية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين آخرين، إلى الاتفاق على خطة موثوقة لضمان حل سياسي للنزاع اليمني، تعالج الانقسامات داخل التحالف المناهض لـ”أنصار الله” ، وتحسم المسائل السياسية التي لا تزال تمزق هذا التحالف، مع تجنب الأهداف العسكرية القصوى.
في الوقت نفسه يجب على القوات السعودية وقوات الحكومة اليمنية، بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، ممارسة ضغط عسكري فعال لوقف تقدم “أنصار الله” وإقناعهم بقبول اتفاق سلام، خاصة في ظل ما يعانونه من ضغوط اقتصادية كبيرة في الداخل. كما يتعيين على الحوثيين أيضًا الموافقة على شروط تعالج الشواغل الإقليمية والحكومة اليمنية الأساسية، وتضع هيكلًا للحكم قابلا للتطبيق لكي تحقق التسوية السياسية الاستقرار في اليمن.
فقد آن الأوان للتخلي عن الاستراتيجية الفاشلة المتمثلة في معالجة مشاكل اليمن عبر التصعيد العسكري قصير المدى وحملات الضغط. ورغم أن إحياء التسوية السياسية لن يكون أمرا سهلا أو فوريا، فالبديل أسوأ بكثير، وهو الانزلاق إلى حرب متجددة، طويلة الأمد، ذات طابع إقليمي متزايد، قد يكون إشعالها أسهل بكثير من إنهائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى