هل تتجه إسرائيل وتركيا نحو حرب باردة في سوريا؟

وهج الخليج ـ وكالات
ترى تركيا في سوريا المستقرة والتي استعادت قوتها منطقة عازلة استراتيجية، إلا أن إسرائيل لديها رؤية أخرى، وذلك وفقا للمحللين السياسيين البارزين ألكسندر لانجلوا ويارا بطاينة، اللذين يعملان في مجال العلاقات الدولية والسياسات الخارجية وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط.
وقال لانجلوا وبطاينة في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية ورصدته صحيفة “وهج الخليج” نقلا عن وكالة الأنباء الألمانية، إنه على مدى ما يقرب من 14 عاما، عانى الشعب السوري من حرب أهلية مدمرة، قبل انتهاءها في 2024 حيث تفتح هذه المرحلة الجديدة نافذة للأمل، رغم المخاوف الجدية الداخلية والخارجية بشأن مستقبل سوريا ما بعد الحرب. ومع ذلك، تواجه عملية الانتقال في سوريا تهديدا يتمثل في حرب باردة تتكشف تدريجيا بين إسرائيل وتركيا، حيث تضع المساعي الإسرائيلية لإبقاء سوريا ضعيفة البلاد في صلب التنافس بين الجانبين.
وأشار لانجلوا وهو محلل سياسي أمريكي وبطاينة وهي كاتبة أردنية مقيمة في واشنطن إلى أنه بدلا من السماح لمسار الانتقال السوري بالمضي قدما، سعت إسرائيل للحيلولة دون قيام دولة سورية قوية وموحدة. وبعد أيام قليلة من سقوط الأسد، قامت إسرائيل بغزو مناطق تتجاوز خط فض الاشتباك لعام 1974 (الناجم عن حرب أكتوبر 1973). ومنذ ذلك الحين، احتلت إسرائيل مساحات شاسعة من الأراضي السورية وقضت على ما تبقى من القدرات العسكرية السورية. ونفذت إسرائيل توغلات متكررة في القرى السورية، بما في ذلك توغل بالقرب من العاصمة دمشق، وقتلت القوات الإسرائيلية مواطنين سوريين واحتجزت آخرين.
وواجهت سوريا الجديدة تحديات عديدة، من بينها العنف الطائفي الذي تورطت فيه الحكومة في المنطقة الساحلية ومحافظة السويداء، وفشل الحكومة في محاسبة الجناة من بين مقاتليها. ومع ذلك، فإن العمليات الإسرائيلية تزيد من حدة هذه التحديات. وفي 18 أغسطس الماضي، شنت إسرائيل ثماني غارات جوية على مطار “أبو الظهور”، ثاني أكبر مطار عسكري في سوريا بالقرب من حلب في الشمال. ورغم أن الضربات الإسرائيلية التي كانت تستهدف الجماعات السورية المدعومة من إيران كانت قد أصبحت أمرا معتادا قبل وقت طويل من انتهاء الحرب الأهلية، كان هذا الهجوم لافتا نظرا لأن تلك القاعدة تقع على بعد نحو 70 كيلومترا من الحدود التركية.
وأكدت إسرائيل شن الهجوم في اليوم التالي، زاعمة أن سوريا خططت لانتهاك تفاهمات أمنية مفترضة من خلال السماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة. وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بأن ضباطا أتراكا زاروا القاعدة لأغراض التدريب، مدافعا عن حق سوريا السيادي في إقامة تعاون عسكري مع أي دولة.
ويرى لانجلوا وبطاينة أن هذا التفسير يبدو منطقيا، نظرا لأنه توجد قواعد تركية في أنحاء شمال سوريا وساعدت في دعم المعارضة السورية خلال الحرب. وقد أبقت تلك الجهود الدولة السورية المركزية ضعيفة في عهد الأسد، وهو ما شكل مصلحة واضحة لإسرائيل. أما الآن، فإن تلك القواعد تعزز دولة سورية جديدة، وهو ما تعتبره إسرائيل غير مقبول.
وقال لانجلوا وبطاينة إن ديناميكيات القوة هذه والمنطق الكامن وراء الغارات الإسرائيلية يوم 18 أغسطس تعكس صراعا جوهريا حول مستقبل سوريا وتؤكده. وتسعى تركيا لإعادة بناء سوريا وتعزيز مؤسسات الدولة والجيش، بينما تهدف إسرائيل، في المقابل، إلى منع سوريا من استعادة مكانتها كدولة فاعلة تمتلك جيشا قويا على حدودها. وتؤكد الغارات التي استهدفت مطار “أبو الظهور” أن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة العسكرية للحد من النفوذ التركي ومن تعافي سوريا، موجهة بذلك تحذيرا واضحا للطرفين.
وقال المحللان إنه بالنسبة لإسرائيل، يمثل الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته الانتقالية تهديدا أمنيا، خاصة في ظل العقلية الإسرائيلية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، ووسط انتخابات مرتقبة تثمن المواقف المتشددة لدى شعب إسرائيلي يزداد ميلا نحو القومية المتطرفة. وينظر المسؤولون الإسرائيليون إلى الشرع، وعلاقاته السابقة بتنظيم القاعدة على أنهم عازمون تماما على تدمير إسرائيل، وذلك رغم تأكيد المسؤولين السوريين المستمر على عدم رغبتهم في أي مواجهة معها. ولذلك، تحركت إسرائيل لفرض وقائع على الأرض تعزز من نفوذها وقدرتها على الضغط على جارتها الشمالية.
وفي الوقت نفسه، تعد عملية إعادة إعمار سوريا وتحقيق الأمن فيها عاملا رئيسيا لمصالح الأمن القومي لتركيا. وقد دعمت أنقرة لفترة طويلة من يحكمون دمشق حاليا ووسعت دورها في إعادة إعمار سوريا. وبدأت تركيا في تدريب الجيش السوري في أكتوبر 2025، كما شارك هذا الجيش -لأول مرة- في مناورات “إفس” العسكرية التركية خلال فصل الربيع.
وقد أدت هذه الجهود إلى وقوع حوادث خطيرة داخل سوريا. في عام 2025، توسطت أذربيجان لإنشاء قناة لتجنب الاشتباك العسكري بين تركيا وإسرائيل عقب ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية في “تي-4” وتدمر وحماة، مما حال دون انتشار القوات التركية في تلك المواقع. وقد أكد إنشاء هذه القناة مدى اقتراب البلدين من حافة المواجهة المباشرة.
ويبدو أن هذه القناة لم تحقق الهدف منها، فبعد يومين من الضربة التي استهدفت مطار “أبو الظهور”، وجه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تصريحا شديد اللهجة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، محذرا من أن إسرائيل ستمنع أي جهة من تهديد أمنها، في حين دعت وزارة الدفاع التركية إسرائيل إلى وقف “هجماتها المتهورة”.
وقال لانجلوا وبطاينة إن التداعيات الإقليمية لهذا التنافس تكشف عن طبيعة الرؤية الأمنية لكل من العاصمتين. فقد احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان السورية بشكل غير قانوني منذ عقود -وقامت بضمها رسميا عام 1981- وتستفيد من احتلال الأراضي السورية بطرق تضعف شرعية الدولة السورية وتمنح قواتها مواقع عسكرية استراتيجية. ومن خلال توسيع هذه المنطقة العازلة وتقييد الانتشار التركي، تمنع إسرائيل أنقرة من تعزيز مناطق عازلة مماثلة داخل سوريا في حال نشوب أي صراع مستقبلي محتمل.
ومع ذلك، فإن ما تسعى إسرائيل للسيطرة عليه اليوم هو المجال الجوي السوري، نظرا لأن وجود جيش سوري أقوى ومدعوم من تركيا- خاصة إذا كان مزودا بأنظمة رادار متطورة- قد يحد من قدرة إسرائيل على استهداف إيران أو أي خصم إقليمي آخر عبر المجال الجوي السوري. وتهدف خطوة أنقرة، إذن، إلى تعزيز قدرة سوريا على مراقبة أجوائها وحمايتها، والحد من الانتهاكات الإسرائيلية للمجال الجوي السوري، وتقييد قدرة إسرائيل على مواصلة حروبها الإقليمية الاختيارية وأي عدوان آخر. ويعد هذا المسعى مصلحة أمنية جوهرية لأنقرة، خاصة أنها تعتبر سوريا جزءا من نطاقها الأمني.
ويرى المحللان أنه من المستبعد اندلاع حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل في الوقت الراهن، نظرا لدور أنقرة القوي في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمكانة المميزة التي تحظى بها تل أبيب لدى الغرب. ويبدو السيناريو المرجح هو حرب باردة متسعة تكون سوريا ساحة المعركة الرئيسية لها. والنتيجة هي أن سوريا ستصبح عالقة بين قوتين إقليميتين تسعيان لتعزيز نفوذهما النسبي، وهو ما قد تترتب عليه نتائج كارثية. ويفسر هذا المنطق سبب احتلال إسرائيل لأراض سورية في ديسمبر 2024. والهدف هو إجبار سوريا على الرضوخ للمطالب الإسرائيلية المتعلقة بقضايا مثل الجولان أو المجال الجوي. وفي حال عدم استجابة سوريا لتلك المطالب، فإنها ستظل في حالة ضعف، مما يسهل على إسرائيل إدامة الاحتلال واستخدام المجال الجوي السوري بحرية.
إلا أن هذه الاستراتيجية مقيدة بحدود زمنية، فلن تسمح تركيا لإسرائيل بفرض شروطها على البيئة الأمنية في سوريا، ومن المرجح أن تتحدى الخطوط الحمراء الإسرائيلية بمرور الوقت، تماما كما فعلت -على الأرجح- في مطار “أبو الظهور”. وقد أثبتت تركيا استعدادها لاختبار الخطوط الحمراء في سوريا بشكل متكرر منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ولا يوجد ما يشير إلى أن أردوغان سيغير مساره الآن.
وقد تكون سوريا ساحة المعركة الرئيسية في هذه الحرب الباردة، لكنها ليست الساحة الوحيدة، حيث تتنافس تركيا وإسرائيل في منطقة شرق البحر المتوسط والقرن الأفريقي، حيث تعزز إسرائيل شراكاتها الأمنية مع اليونان وقبرص، بينما توطد تركيا علاقاتها مع السعودية وباكستان من خلال “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”. وفي الصومال، استثمرت تركيا بكثافة في الجيش والأمن البحري، في حين شكل اعتراف إسرائيل بإقليم “صوماليلاند” (أرض الصومال) تحديا لدعم أنقرة لوحدة الأراضي الصومالية.
ورغم أن الدولتين لا يقودان رسميا تكتلات متصارعة بعد، فإنهما تبنيان شبكات أمنية متنافسة تشكل عادة الركيزة الأساسية لتلك التكتلات، حيث تعقد إسرائيل شراكات مع اليونان وقبرص والإمارات، في حين تعزز تركيا علاقاتها مع سوريا والصومال والسعودية وباكستان. ومع تعمق هذه الشبكات، تزداد حدة الظروف التي تجعل من سوريا الجبهة الأخطر في حرب باردة أوسع نطاقا بين تركيا وإسرائيل، وذلك على حساب سوريا نفسها.
واختتم لانجلوا وبطاينة تحليلهما بالقول إن سقوط الأسد أتاح فرصة هشة لإعادة بناء سوريا، إلا أن إسرائيل تقوض هذه العملية من خلال تحويل سوريا إلى ساحة صراع لمصالحها المتعارضة مع تركيا. وفي المقابل، ترى أنقرة في وجود دولة سورية فاعلة مصلحة أمنية. وكلما طال أمد هذا التنافس، كلما زادت صعوبة بناء دمشق للقدرات اللازمة لتأمين مستقبلها. ويستحق السوريون فرصة لإعادة بناء بلادهم في سلام، إلا أن التدخل العسكري الإسرائيلي يحرمهم من تلك الفرصة.




