أخبار العالم

هل تحل الصين محل روسيا في توريد الأسلحة لآسيا الوسطى؟

وهج الخليج – وكالات

أشارت تقارير الشهر الماضي إلى أن أوزبكستان قد تشتري مقاتلات “تشنجدو جيه-10” (التنين القوي)، النسخة الصينية من المقاتلة الأمريكية “إف -16 فاكلون”، والتي تستخدم في مهام الدوريات والاعتراض والهجوم الأرضي وتحقيق التفوق الجوي. وهي من الطائرات متعددة المهام التي تشكل العمود الفقري لأي قوة جوية. وخارج الصين، لا تستخدم مقاتلات “التنين القوي” سوى باكستان، ما يعني أن أوزبكستان ستكون ثالث دولة في العالم تقوم بتشغيلها.
وفي تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، يقول الكاتب الصحفي أرجون سينغ، إنه لا يجب تحليل صفقات الأسلحة بمعزل عن الاعتبارات الاستراتيجية، حيث إن “قرار دولة ما شراء معدات عسكرية من دولة أخرى يمثل مؤشرا على توجهها الاستراتيجي نحو الجهة الموردة. كما أنه يمهد لتعاون مستقبلي، خاصة فيما يتعلق بالصيانة طوال دورة حياة المعدات، والإصلاحات، وشراء تقنيات أخرى متوافقة مع المنظومات العسكرية الموجودة. فالصفقات تولد صفقات أخرى”. ومن ثم، “فإن شراء معدات عسكرية من خارج التحالفات العسكرية القائمة يثير الجدل”، ويشير سينغ في ذلك إلى تبعات شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، وردود الفعل الغاضبة على ذلك في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب استبعاد أنقرة من برنامج المقاتلة “إف-35”.
وتجد أوزبكستان، شأنها شأن بقية دول آسيا الوسطى، نفسها في وضع مماثل. فهذه الدول، باعتبارها جمهوريات سوفيتية سابقة، كانت تاريخيا جزءا من المنظومة العسكرية الروسية. ومعظم هذه الدول أعضاء في “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، وهو تحالف تقوده روسيا ويعد نظيرا للناتو. وتسيطر المعدات الروسية- دبابات ومدفعية وطائرات وأسلحة خفيفة- على ترسانات هذه الدول، كما يتلقى ضباطها، الذين يتحدث معظمهم الروسية، تدريبات عسكرية في روسيا. وليس من المبالغة القول إن آسيا الوسطى تعتمد على روسيا في مجال الدفاع.
ويرى سينغ، الذي كتب لصحف ومؤسسات إعلامية، من بينها “وول ستريت جورنال” و”ناشونال ريفيو” و”إيبوك تايمز” و”ديلي كولر”، أن اتخاذ قرار بشراء مقاتلات من الصين بدلا من مورد روسي مثل سوخوي أو ميكويان، يمثل خروجا عن النهج المعتاد، وتحولا في سوق الدفاع بآسيا الوسطى. وأشار إلى الضغوط الواسعة التي تعانيها صناعة الدفاع الروسية بسبب الحرب في أوكرانيا، وهو ما “أدى إلى ضغوط على سلاسل توريد قطع الغيار والمعدات البديلة الجديدة المطلوبة في أماكن أخرى، بما في ذلك تلك اللازمة للمنظومات التي تمتلكها دول آسيا الوسطى بالفعل. ولذلك، تراجعت صادرات الأسلحة الروسية إلى المنطقة، وإلى بقية دول العالم”.
ولا تقتصر المشكلة على القدرة الإنتاجية، حيث “كشفت حرب أوكرانيا أيضا عن تدني جودة المعدات العسكرية الروسية، ولا سيما عند استخدامها في مواجهة الأسلحة التي توفرها دول الناتو لأوكرانيا…. واستنادا إلى أدائها في ساحة المعركة، باتت المعدات العسكرية الروسية أقل جاذبية بالنسبة للجيوش في آسيا الوسطى”.
وتتفاقم هذه المشكلات بسبب العقوبات الغربية المشددة على قطاع الصناعات الدفاعية في روسيا، والتي تهدف إلى منع الدول الأخرى من التعامل معه. كما أن العقوبات الثانوية، وخاصة بموجب “قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات”، تردع المشترين عن التعامل التجاري مع روسيا خشية تعرضهم لعقوبات أمريكية.
وكشفت هذه العقوبات أيضا عن حدود قدرة سلاسل إمداد الصناعات الدفاعية الروسية على تأمين احتياجاتها. إذ تعتمد نسبة كبيرة من المكونات المستخدمة في الصناعات الدفاعية الروسية على منتجات أجنبية، ولا سيما المكونات الكهربائية، بينها مكونات تأتي من الغرب. وقد حدّت العقوبات من إمكانية شراء هذه المكونات بشكل مباشر، ما دفع روسيا إلى الاعتماد على بدائل أرخص، مثل تلك القادمة من الصين، وهو ما أدى إلى تراجع جودة المعدات الروسية. وفي ظل تراجع روسيا، تتحول الصين إلى مورد عسكري رئيسي لدول الجنوب العالمي، بما فيها دول آسيا الوسطى. ويؤكد سينغ أن “الصين مندمجة بالفعل بصورة عميقة في اقتصادات دول آسيا الوسطى، باعتبارها شريكا تجاريا رئيسيا، كما أنها تزود المنطقة بجزء كبير من احتياجاتها من السلع الثقيلة والبنية التحتية. وبالتالي، فإن بيع المنتجات الدفاعية يمثل تطوراً طبيعياً في مسار العلاقات الصينية مع دول آسيا الوسطى”.
وتتمتع المنتجات الدفاعية الصينية ببعض المزايا التنافسية بالنسبة للمشترين في آسيا الوسطى، فهي تتميز بانخفاض تكلفتها مقارنة بالمنتجات التي يقدمها الموردون الأوروبيون والأمريكيون والإسرائيليون، وحتى الروس.” كما أنها تأتي بشروط دفع أكثر مرونة، “ولا يستطيع الغرب منافسة الصين من حيث القدرة على تقديم منتجات بأسعار منخفضة”.
يضاف إلى ذلك “التفوق الصناعي الصيني، والتجاور الجغرافي مع آسيا الوسطى، وشبكات الربط القوية التي توفرها مبادرة الحزام والطريق” مما يتيح تسليم المعدات العسكرية في المواعيد المحددة وضمن الميزانية المقررة، مع تكاليف نقل محدودة. ولهذه الأسباب، زادت حصة الصين في سوق الأسلحة بآسيا الوسطى بنحو عشرة أمثال مقارنة بقبل حرب أوكرانيا، عندما كانت بكين ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى المنطقة بعد روسيا.
وفي حين تقبل دول آسيا الوسطى على المعدات الصينية، فإنها تتحفظ على مجرد الاستغناء عن روسيا لتحل محلها قوة مهيمنة أخرى كمورد رئيسي لمعدات الدفاع.وعلاوة على ذلك، وبينما تستطيع الصين الإنتاج على نطاق واسع وبيع منتجاتها بأسعار تنافسية، فإن “جودة أسلحتها لا تزال إلى حد كبير غير مختبرة في ساحات القتال. كما أن المجمع الصناعي العسكري الصيني لم يكتسب بعد السمعة نفسها التي كانت تتمتع بها روسيا في السابق من حيث الابتكار والموثوقية. ولذلك، ينبغي للمشترين في آسيا الوسطى توخي الحذر”.
وبحسب تحليل سينغ، جذبت آسيا الوسطى، باعتبارها سوقا جديدة، اهتمام شركات تصنيع المعدات الدفاعية الأخرى. كما دفع سعي دول المنطقة إلى تجنب الاعتماد على الخارج إلى تطوير إنتاج محلي لبعض المعدات الدفاعية. ويشير سينغ إلى أن دور أمريكا في مجال الدفاع بآسيا الوسطى محدود، “ومن المرجح أن تكون الحكومة الأمريكية متحفظة إزاء تعميق اندماجها في المنطقة، تجنبا لإثارة استياء الصين وروسيا في منطقة حساسة بالنسبة للقوتين. ومع ذلك، سعت أمريكا، بشكل محدود، إلى زيادة مبيعات الأسلحة في المنطقة، وخاصة عبر “برنامج التمويل العسكري الأجنبي “، الذي تقدم الحكومة الأمريكية بموجبه قروضا لتمويل شراء المعدات الدفاعية من الشركات الأمريكية.
وخلال إدارة ترامب الثانية، بلغت القيمة الإجمالية لمبيعات الأسلحة في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي لدول آسيا الوسطى أقل بقليل من 80 مليون دولار، وذهب نحو النصف إلى أوزبكستان. وكانت واشنطن وافقت خلال إدارة ترامب الأولى، على بيع أنظمة استخبارات ومراقبة واستطلاع جوي إلى كازاخستان بقيمة 128 مليون دولار.
كما استقطبت وزارات الدفاع في دول آسيا الوسطى اهتمام حلفاء آخرين لأمريكا ممن يمتلكون صناعات دفاعية كبيرة، مثل كوريا الجنوبية. وسعت تركيا إلى تزويد دول آسيا الوسطى بالمسيرات القتالية والأسلحة الخفيفة، مستفيدة من الروابط العرقية التركية المشتركة ومن اتفاقيات التمويل لإبرام الصفقات.
وفي تركمانستان، أزاحت تركيا بالفعل روسيا عن صدارة موردي الأسلحة، تلتها إيطاليا. ومن المرجح أن يتزايد الاهتمام بالأسلحة التركية في المنطقة. ويقول سينغ إن الاستثمار الأطول أجلا في قطاع الدفاع الجاري بآسيا الوسطى قد يتمثل في تطوير الإنتاج المحلي، ” فرغم أن المنطقة لم تكن معروفة بصناعاتها الدفاعية، فإن دولها تعمل على توسيع صناعات جديدة لتلبية احتياجاتها المحلية”. وقادت كازاخستان هذا التوجه، إذ بدأت تنفيذ مشروع بقيمة مليار دولار لبناء أربعة مصانع لإنتاج ذخائر وفق معايير الناتو، بدلا من الاعتماد على الذخائر الروسية، كما أنشأت منشأة لتصنيع الطائرات المسيّرة القتالية لتلبية احتياجاتها المحلية.
وفي ختام تحليله، يؤكد الكاتب الصحفي سينغ أنه “في ظل المخاوف المتعلقة بالتكاليف ونقص الإمدادات خلال الحروب لدى كبار الموردين، من المرجح أن تحقق هذه الاستثمارات أكبر عائد على المدى الطويل بالنسبة لقدرات الدفاع في آسيا الوسطى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى