كيف يمكن دفع روسيا إلى التفاوض بشأن أوكرانيا؟

وهج الخليج – وكالات
مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون حسم عسكري واضح، يتزايد الجدل حول السبل التي قد تدفع موسكو إلى الدخول في مفاوضات لإنهاء الصراع. ويرى عدد من المحللين أن تزايد الضغوط الداخلية على روسيا، إلى جانب الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، قد يخلق ظروفا تدفع الكرملين إلى إعادة النظر في خياراته والاتجاه نحو الحل الدبلوماسي. هذا ما أكده جون ماكلولين، الاستاذ في جامعة جونز هوبكنز والذي شغل سابقا منصب القائم بأعمال مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ونائب مديرها، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأمريكية. ويضيف ماكلولين أن تنامي حالة الاستياء داخل روسيا من الحرب في أوكرانيا، إلى جانب النجاحات العملياتية التي تحققها كييف، قد يؤدي إلى دفع موسكو أخيرا للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويضيف ماكلولين أن الأسابيع الماضية شهدت سيلا من التقارير التي تؤكد تراجع الدعم الذي يحظى به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين النخب الروسية وعموم المواطنين. ويتزامن ذلك مع تقارير عن حالة قلق واسعة داخل روسيا بسبب تزايد عدد الضربات الأوكرانية الناجحة التي تستهدف عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك العاصمة موسكو.
ويفتح تزامن هذه التطورات فرصا جديدة أمام الولايات المتحدة وأوروبا، لا سيما إذا تمكنتا من تنسيق جهودهما لاستغلال نقاط الضعف في الاستراتيجية العسكرية الحالية لبوتين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الضربات الصاروخية، وهي ضربات يمكن تحييدها إذا توفرت أنظمة الدفاع المناسبة. ويعد ما صدر عن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) خطوة واعدة في هذا الاتجاه، ولا سيما تعهد الرئيس دونالد ترامب بمنح أوكرانيا ترخيصا لإنتاج صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة “باتريوت”. وفيما يتعلق بتنامي الاستياء داخل روسيا في عهد بوتين، فإن أحدث مؤشر على ذلك يتمثل في مقابلة مطولة أجرتها مجلة “ذي إيكونوميست” مع أبرز رجال الصناعة في روسيا، المعروف بلقب “ملك الأسمدة”، أندريه ميلنيتشينكو. وقد كان قراره بالتحدث علنا لافتا بقدر قتامة السيناريوهات التي رسمها لمستقبل روسيا إذا استمرت الحرب دون تغيير في السياسات الداخلية. ورغم أنه تجنب بعناية الدعوة إلى تغيير النظام، فإنه رأى أن روسيا قد تنزلق إلى الفوضى أو تتحول إلى دولة تابعة تفتقر إلى النفوذ أمام الصين أو الغرب، ما لم تتبنّ سياسات تركز بصورة أكبر على رفاهية المواطنين وتقدم صورة أكثر قابلية للتنبؤ وأقل عدائية تجاه العالم.
ويأتي ذلك بعد مقال سابق نشرته “ذي إيكونوميست” لمسؤول روسي كبير سابق فضل عدم الكشف عن هويته. ورغم أنه لم يتوقع انهيارا وشيكا لنظام بوتين، فإنه قال إن الروس بدأوا “يتخيلون مستقبلا من دونه”. وأوضح الكاتب أن هناك أسبابا عديدة لذلك، من بينها التكلفة المتزايدة لحرب لا تحقق فيها روسيا النصر. لكن الفكرة الأساسية تتمثل في أن النخب الروسية ترى أن المكاسب التي جنتها مقابل الولاء للنظام تتلاشى، بينما يشعر الروس عموما بأنهم يعيشون في ظل “قمع بلا هدف”. ومن المرجح أن محاولة الحكومة مصادرة أصول تقدر بمليارات الدولارات تعود لأبرز رجال الأعمال في القطاع الزراعي، الذي اعتُقل في مارس/آذار 2025، قد عززت هذا الشعور. وترد تقارير مماثلة أيضا عبر وسائل إعلام تؤكد أن لديها مصادر رسمية مطلعة داخل روسيا. فقد نقل موقع “ميدوزا”، الذي يديره صحفيون روس معارضون من لاتفيا، عن مصادر في الإدارة الرئاسية والبرلمان والحكومات الإقليمية قولها إنها تشعر بخيبة أمل لأن الحرب لم تنتهِ في عام 2024. وأضافت المصادر أنها باتت “مرهقة” من استمرار الحرب، وترى أن بوتين لا يمتلك رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب.
وفي المقابل، هناك شريحة كبيرة تعبر عن استيائها بطريقة مختلفة. فهي لا تعارض الحرب، بل تطالب بتصعيدها بشكل أكبر. ويشعر أفراد هذه الفئة بالإحباط بسبب نقص الأفراد والمعدات العسكرية، ويدعون إلى تنفيذ تعبئة إضافية ووضع البلاد في حالة حرب أكثر شمولًا، وهو ما يعكس أيضا استياء عميقا من طريقة بوتين في إدارة الصراع. ومن المرجح أن أكثر ما أثار غضبا واسع النطاق داخل روسيا هو قرار النظام حظر تطبيق “تليجرام” وفرض قيود مشددة على الإنترنت. ويعد التطبيق والإنترنت من بين المنافذ القليلة المتبقية للتعبير بحرية نسبية والوصول إلى المعلومات من خارج البلاد، فضلا عن تسهيل الأنشطة اليومية في مجتمع يرزح تحت ضغوط كبيرة. ويخشى بعض الروس أن تكون هذه القيود “تمهيدا لنموذج شبيه بكوريا الشمالية” في إدارة الإنترنت.
ويبقى قياس الرأي العام في روسيا أمرا بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن أكثر استطلاعات الرأي المتاحة موثوقية تؤكد الاتجاه العام الذي رسمه المسؤول الروسي السابق المجهول، وكذلك الصحفيون المستقلون الذين لا يزال لديهم وصول إلى الداخل الروسي. وتُظهر استطلاعات مركز “ليفادا” المستقل نسبيا أن تأييد الحرب تراجع إلى أدنى مستوياته عند 24%، رغم استمرار الدعم المرتفع للجيش ولتحقيق نتائج تصب في مصلحة روسيا. كما أفادت تقارير بأن استطلاعا آخر أجرته شركة استطلاعات تعمل لصالح الكرملين سجل أدنى مستوى للثقة في بوتين منذ عام 2022. ويتساءل ماكلولين كيف ينعكس الوضع الميداني للحرب على كل ذلك؟ ويقول إن كثيرا من المحللين الغربيين يميلون إلى الاعتقاد بأن الزخم بات يميل لصالح أوكرانيا. ولا شك أن أداء أوكرانيا أصبح أفضل، لكن تصوير المشهد على أنه تحول كامل في ميزان الزخم يُعد تبسيطا مخلا بالواقع. ويقول ماكلولين إنه لا شك في أن الحالة المعنوية في روسيا تضررت بسبب قدرة أوكرانيا على تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة متطورة في عمق الأراضي الروسية، إذ أدت هذه الهجمات إلى تعطيل نحو 20% من طاقة تكرير النفط الروسية. لكن الخبراء الذين يتابعون المكاسب والخسائر الميدانية يقدمون تقديرات متباينة، فبينما يتحدث بعضهم عن خسائر روسية كبيرة، يرى آخرون أن المكاسب محدودة.
ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أن تكتيكات التسلل التي يعتمدها الطرفان أوجدت منطقة رمادية متغيرة على الأرض، وقوضت المفهوم التقليدي لخطوط الجبهة. فإذا تم اعتبار المناطق التي تتسلل إليها القوات خاضعة للسيطرة، كما ترى روسيا وبعض الخبراء، بدا الأمر وكأنه تقدم ميداني، رغم أنه قد يكون مؤقتا. أما إذا اعتُبر التسلل الروسي خسارة لأوكرانيا،( كما ترى كييف)، فإن الصورة تبدو مختلفة. وبالنظر إلى بيانات الأشهر الثلاثة الماضية، لم يُظهر أي من الطرفين قدرة على تغيير خريطة السيطرة على نطاق استراتيجي. ومع ذلك، تحقق أوكرانيا أفضلية استراتيجية عبر زيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية على روسيا، في وقت تتحمل فيه وضعا ميدانيا متقلبا، يزيده تعقيدا نقص الأفراد، الذي قد يتحول إلى نقطة ضعف أكبر إذا تمكن بوتين من إطالة أمد الحرب. ومن منظور عسكري بحت، من غير المرجح أن يحقق أي من الطرفين اختراقا حاسما في المستقبل القريب. ويقول ماكلولين إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه المظاهر من الاستياء قد بلغت “الكتلة الحرجة”، أي النقطة التي ينهار عندها دعم الزعيم بصورة مفاجئة. ويقف في مواجهة ذلك الجهاز الأمني القمعي القوي الذي يستخدمه بوتين لرصد أي معارضة واحتوائها. وفي التحليل السياسي، يبقى أصعب ما يمكن تقديره هو اللحظة التي يتحول فيها التغيير التدريجي، الذي يبدو أنه يحدث الآن في روسيا، إلى تحول حاسم. وغالبا ما نفاجأ بمثل هذه التحولات لأنها تكاد تكون مستحيلة التنبؤ بدقة.
وأظهر بوتين في السابق، ويُظهر مرة أخرى الآن، أن رده على تراجع الدعم الداخلي يتمثل في تصعيد العمليات العسكرية في أوكرانيا، عبر تكثيف الهجمات بالقنابل والصواريخ والطائرات المسيرة. ويهدف من ذلك إلى تقديم صورة لجمهوره الداخلي توحي بتحقيق الانتصار. ومن ثم، إذا كانت هناك فرصة أمام السياسة الأمريكية، فهي تتمثل في إحباط قدرة بوتين على تحقيق هذا الهدف. ويرتكز أي نهج أمريكي من هذا النوع على عنصرين أساسيين: تعزيز الدفاعات الجوية لأوكرانيا، إلى جانب تحسين قدراتها على تنفيذ ضربات متوسطة المدى، بما يساعد على تحييد الوسائل التي يعتمد عليها بوتين في تنفيذ هجماته. ويخلص ماكلولين إلى أنه لا ينبغي الاعتقاد بأن هذه الخطوات وحدها ستدفع بوتين إلى التخلي عن أهدافه في أوكرانيا أو ستؤدي إلى تغيير النظام في روسيا. لكنها قد تزيد من تعقيد خياراته، وتضيق هامش المناورة أمامه، وترجح كفة التوجه إلى طاولة المفاوضات بحثا عن مخرج يحفظ ماء الوجه. وعندها سيقع على عاتق الدبلوماسية الأمريكية أو الأوروبية، أو كلتيهما معا، إنجاز المهمة الأكثر صعوبة، وهي ضمان سلامة الأراضي الأوكرانية مستقبلا من خلال الردع وتقديم ضمانات أمنية.




