أخبار العالم

لماذا لا يزال العنف العابر للحدود ينطلق من أفغانستان؟

وهج الخليج – وكالات

رغم عودة طالبان إلى الحكم ومحاولاتها تقديم نفسها بوصفها عامل استقرار، لا تزال أفغانستان تمثل مشكلة أمنية. فبينما يتركز الاهتمام الغربي على القضايا الحقوقية، تتصاعد أنشطة الجماعات المسلحة داخل أفغانستان وعبر حدودها. هذا ما أكده الباحث زلماي نشأت زلماي، مؤسس ورئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمؤسسة “موزاييك جلوبال فاونديشن”، وهي مؤسسة خيرية مسجلة في المملكة المتحدة تعنى بأفغانستان وآسيا الوسطى، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست.
ويقول الباحث إن حركة طالبان تفشل في احتواء التطرف، بل إنها في الواقع تسهم في انتشاره في آسيا الوسطى. في 19 يناير 2026، أسفر تفجير مرتبط بتنظيم داعش استهدف مطعما صينيا في كابول عن مقتل سبعة أشخاص، من بينهم مواطن صيني. ورغم أن الحادثة لم تحظ باهتمام دولي واسع، فإنها سلطت الضوء بوضوح على التهديد المستمر الذي تشكله الجماعات المسلحة الناشطة في أفغانستان. ولم يعد هذا التهديد محصورا داخل حدود أفغانستان. فالدول المجاورة تشهد على ذلك، إذ أدت الهجمات العابرة للحدود التي تنفذها جماعات إما تتسامح معها طالبان أو تعجز عن السيطرة عليها إلى تصاعد العنف في باكستان وطاجيكستان، وكذلك ضد المصالح الصينية، ليتحول بذلك ما يبدو ظاهريا استقرارا إلى أزمة أمنية إقليمية آخذة في التصاعد. وخلال فترة الجمهورية، كان عدد المدارس الدينية المسجلة لدى وزارة التربية والتعليم يقدر بنحو 13 ألف مدرسة، وكان عدد الطلاب يناهز 5ر1 مليون طالب، أما اليوم، فقد ارتفع عدد المدارس الدينية إلى نحو 23 ألفا، وتضاعف عدد الطلاب. ومع ذلك، تنظر العواصم الغربية على نحو متزايد إلى حكم طالبان باعتباره مشكلة أخلاقية أكثر منه تهديدا أمنيا مباشرا. وهي تواصل “الانخراط” البراجماتي مع طالبان وتقدم دفعات نقدية أسبوعية تحت مسمى “المساعدات الإنسانية”. وفي حين تدين حكومات أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل روتيني معاملة طالبان للنساء والفتيات، لم تعد أفغانستان ينظر إليها على نطاق واسع بوصفها تهديدا إرهابيا مباشرا للغرب. فمنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، لم تُسجل هجمات كبرى في أوروبا أو الولايات المتحدة يمكن إرجاعها بشكل قاطع إلى الأراضي الأفغانية، وهو غياب يستشهد به العديد من صانعي السياسات باعتباره دليلا على أن طالبان تكبح النشاط الجهادي العابر للحدود وتسعى إلى منع الهجمات ضد أهداف غربية. وربما تكون طالبان قد تعهدت للولايات المتحدة بعدم تهديد المصالح الغربية انطلاقا من أفغانستان، لكن إلى أي مدى تستطيع الوفاء بذلك أو ترغب في الوفاء به يظل سؤالا آخر.
ويقول الباحث إن الصورة تبدو مختلفة تماما في جنوب ووسط آسيا. ويضيف أنه في هاتين المنطقتين، يشهد النشاط الإرهابي المرتبط بالأراضي الأفغانية تصاعدا ملحوظا. وتتهم حكومات المنطقة طالبان بالتسامح مع جماعات متطرفة تستهدف باكستان وطاجيكستان والمصالح الصينية، أو حتى بحمايتها في بعض الحالات.
وسجل إقليم خيبر بختونخوا، حيث يتركز نشاط حركة طالبان الباكستانية، 2331 قتيلا في عام 2025، بزيادة قدرها 44% مقارنة بعام 2024. وردا على ذلك، أغلقت إسلام آباد جميع الحدود مع أفغانستان في أكتوبر 2025، ونفذت ضربات جوية استهدفت قيادات حركة طالبان الباكستانية وبنيتها التحتية في كابول وخوست وجلال آباد وباكتيكا. ويقول الباحث إنه في شمال أفغانستان، تنفذ جماعات متطرفة أخرى غارات عابرة للحدود داخل طاجيكستان، التي تشترك مع أفغانستان في حدود بطول 1357 كيلومترا. ففي ديسمبر 2025، أعلنت السلطات الطاجيكية أن ثلاثة مسلحين مدججين بالسلاح عبروا من أفغانستان بالقرب من منطقة شمش الدين شاهين، وقد أسفر تبادل لإطلاق النار عن مقتل اثنين من حرس الحدود الطاجيك، فيما قتل المتسللون الثلاثة جميعا. وفي نوفمبر 2025، استهدف هجوم بطائرة مسيرة انطلق من الأراضي الأفغانية معسكرا لعمال صينيين في إقليم ختلان جنوب طاجيكستان، وأفادت الحكومة الطاجيكية بمقتل ثلاثة مواطنين صينيين في هذا الهجوم. وبعد أربعة أيام، أطلق مسلحون من داخل أفغانستان النار على موظفين تابعين لشركة “تشاينا رود آند بريدج كوربوريشن” قرب منطقة دارفاز، ما أدى إلى مقتل عاملين صينيين وإصابة اثنين آخرين.
ويقول الباحث إن أفغانستان نفسها لا تزال تعاني من انعدام الأمن. فقد أودى تفجير كابول في 19 يناير بحياة سبعة أشخاص، من بينهم مواطن صيني وستة من السكان المحليين. وشددت الصين، التي تتوخى الحذر عادة في تصريحاتها العلنية بشأن أفغانستان، من لهجتها. ففي مطلع يناير 2026، أصدرت بكين بيانا مشتركا مع باكستان دعت فيه طالبان إلى اتخاذ “خطوات ملموسة وقابلة للتحقق” لمنع الجماعات المتمركزة في أفغانستان من شن هجمات على الدول المجاورة. ويظل وجود “الحزب الإسلامي التركستاني”، وهو شبكة يقودها الإيجور ولديها خبرة قتالية في سوريا، مصدر قلق خاص للصين، التي ترى في الحزب تهديدا مباشرا لإقليم شينجيانج، حتى وإن كان طول حدودها مع أفغانستان لا يتجاوز 76 كيلومترا.
وتنفي طالبان إيواء أي جماعة تهدد دولا أخرى، مشيرة إلى فتاوى دينية تحظر الهجمات العابرة للحدود، ومؤكدة أن الحزب الإسلامي التركستاني ممنوع من استهداف الصين. غير أن دول الجوار ترد بأن هذه التعهدات لا ترقى إلى أكثر من تطبيق انتقائي، ولا تمثل جهودا فعالة لمكافحة الإرهاب. وتجادل الصين بأن الاكتفاء بضبط النفس من دون تفكيك هذه الجماعات يترك التهديد الجوهري قائما ويُبقي المخاطر الاستراتيجية قائمة.
ويرى الباحث أن مخاوف بكين تستحق اهتماما جديا. فالجماعات المسلحة التي تعمل دون رادع في أفغانستان لا تزعزع استقرار المنطقة فحسب، بل تمتلك أيضا القدرة على التخطيط لهجمات أو إلهامها خارج حدودها، ما يولد مخاطر أمنية قد تصل في نهاية المطاف إلى الدول الغربية.
وكما حذر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت جيتس بقوله: “في العقود المقبلة، من المرجح أن تنبع أكثر التهديدات فتكا لسلامة وأمن الولايات المتحدة من دول تعجز عن حكم نفسها على نحو فعال أو عن تأمين أراضيها”. وبالنسبة لصناع القرار في الغرب، فإن غياب الهجمات الأخيرة على أوروبا أو الولايات المتحدة دفع إلى التعامل مع أفغانستان بوصفها، إلى حد كبير، مسألة قيم يمكن إدارتها. أما بالنسبة لجيرانها، فقد تحولت إلى حالة طوارئ أمنية متصاعدة. فالاستقرار الذي يقاس من بعيد يبدو مختلفا تماما، وأكثر دموية بكثير، عند النظر إليه عن قرب.
ويخلص الباحث بالقول إنه لهذا، فإن هذه الأزمة الإقليمية الآخذة في التفاقم تهم الغرب أيضا. فتجاهلها ينطوي على مخاطر السماح للشبكات المتطرفة بإعادة تنظيم صفوفها، وزعزعة الشراكات الجيوسياسية، وإشعال أزمات إنسانية وتدفقات لجوء، وتعطيل المصالح الاقتصادية العالمية، وتقويض المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في مجال مكافحة الإرهاب. ويقول الباحث إن حجم الرهانات يتجاوز بكثير حدود أفغانستان، ويتطلب اهتماما دوليا مستداما وتحركا فعالا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى