أخبار العالم

لماذا نلجأ إلى “التسويف”؟ .. علماء يحاولون معرفة الأسباب العلمية

وهج الخليج ـ وكالات

لا يحبذ أحد أن يفعل الأشياء أو المهام التي لا تروق له. فالكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المهام الثقيلة على النفس مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعل السبب الذي يدفعنا للتسويف عندما نجابه هذه النوعية من المهام لا يتعلق فحسب بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرك، وإنما هناك أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنية بدراسة الجهاز العصبي للجسم. ويرى العلماء أن الحافز هو القوة التي تحرك الكائنات الحية للإتيان بسلوكيات معينة لتحقيق أهداف تصب في صالحها. وفي الحياة اليومية تتأثر هذه السلوكيات بمؤثرات أخرى قوية مثل الشعور بالنفور من عمل ما. ورغم أن النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكد على أهمية “الهدف” في تعزيز الحافز لدى الانسان، فإن أبحاثا حديثة تعتمد على نماذج الحوسبة ترى أن التحرك لإتيان سلوك بعينه يتأثر بآليات آخرى بعيدة عن قيمة الهدف في حد ذاته، لاسيما في المواقف السلبية التي قد يترتب عليها أن يتكبد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك مثل المجهود الزائد سواء إن كان عضليا أو ذهنيا أو نفسيا، وهو ما قد يدفعه للتأجيل أو التسويف أو التأخر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.
وفي إطار دراسة نشرتها الدورية العلمية Current Biology المعنية بالابحاث العلمية في مجال الأحياء، توصل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تقوم بدور “مكابح التحفيز”، وأن هذا الاكتشاف قد يسلط الضوء على الأسباب التي تدفع البعض للتردد قبل اتخاذ قرارات معينة. ويقول الباحث كين إيشي أميموري، وهو استاذ مساعد في معهد الأبحاث المتقدمة في مجال بيولوجيا الانسان التابع لجامعة كيوتو اليابانية وأحد المشاركين في الدراسة، في تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني “ساينتفيك أمريكان”: لقد استطعنا الربط بين مسار عصبي معين داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر عندما يواجهون مهام لا يفضلون القيام بها في الحياة اليومية”. وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلفون القرود بأداء مهام معينة، مع إعطائهم مكافآت في حالة إنجاز العمل مع توجيه نفثة مزعجة من الهواء في وجوههم. وتلاحظ للفريق البحثي أن القرود تستغرق وقتا أطول في أداء المهام التي يترتب عليها التعرض لنفثة الهواء.
وأجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتيا ومظلمة لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثرات البصرية على النتائج. وقام الباحثون بتدريب القرود على إمعان النظر في مكعبات تظهر في منتصف شاشة، وكلما زادت فترة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، وتختلف من تجربة لأخرى، زاد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء أو مشروبات رياضية محلاة، كان يتم توجيه نفثة من الهواء إلى وجه القرد بحسب قراراته خلال التجربة. وفي المرات التي كان يمتنع فيها القرد عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافآة أقل قيمة حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.
وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معينة للتحكم في خلايا معينة في أمخاخ القرود من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزئين من المخ، وهما “المخطط البطني” Ventral striatum و”الجسم البطني الشاحب” Ventral pallidum، وكلاهما يقعان في منطقة العقد القاعدية بالدماغ ويلعبان دورا رئيسيا في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي لعائلة الرئيسيات. وتوصل الباحثون بعد دراسات تشريحية على المخ إلى أن المخطط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأن التدخل في المسارات العصبية بين الجزئين يترتب عليه تغيرات سلوكية تتعلق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمهام معينة. واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجح الباحثون باستخدام أدوية بعينها في تعطيل تلك الإشارات العصبية أثناء تكليف القرود بأداء مهام معينة لا ترغب في تنفيذها. ووجد الباحثون أنه في حالة تعطيل عمل الدائرة العصبية، فإن القرود تبدي ترددا أقل في أداء المهام المطلوبة منها، بما في ذلك تلك المهام التي يترتب عليها الحصول على نفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، فقط نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثر على التحفيز لدى الحيوانات. ويقول الباحث أميموري: “نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات”. ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوما ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية التي ترتبط بالتحفيز مثل الاكتئاب أو الفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر من آليات التدخل التي تستهدف إضعاف “مكابح التحفيز”، لأن هذا التدخل قد يأتي بنتائج عكسية مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس وتحفيزه للقيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى