العلوم الإنسانية ركيزة أساسية لاقتصاد المعرفة في سلطنة عُمان

وهج الخليج – مسقط
دعت دراسة علمية حديثة إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية في منظومة التعليم العالي بسلطنة عُمان، باعتبارها ركيزة أساسية في بناء اقتصاد معرفي متوازن ومستدام.
وأكّد الباحثان الدكتورة مريم بنت علي الهنائية، أستاذة الاتصال بين الثقافات والأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي، أستاذ الآثار ودراسات التراث بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس في دراستهما، التي نُشرت في مجلة Journal of Arabian Studies تحت عنوان “إعادة تخيّل اقتصاد المعرفة: دعوة نقدية لإعادة تمركز العلوم الإنسانية في التعليم العالي العُماني” ، أن الخطابات السائدة حول الاقتصاد المعرفي غالبًا ما تختزل مفاهيم التقدم والابتكار في الجوانب العلمية والتقنية فقط، على حساب العلوم الإنسانية والاجتماعية، رغم دورها المحوري في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز القيم الأخلاقية، وترسيخ الهوية الثقافية .وسلّطت الدراسة الضوء على وجود فجوة بين التوجهات الاستراتيجية الوطنية، كما وردت في رؤية عُمان 2040 والاستراتيجية الثقافية 2021–2040، التي تؤكد أهمية الهوية الوطنية، والثقافة، والإبداع، وبين الممارسات الفعلية في مؤسسات التعليم العالي، التي تميل إلى إعطاء أولوية أكبر للتخصصات العلمية والتقنية والتجارية.
وبيّنت الدراسة، من خلال تحليل بيانات توزيع أعضاء هيئة التدريس وأنماط التحاق الطلبة داخل سلطنة عُمان وخارجها، أن العلوم الإنسانية لا تزال تحافظ على حضور مهم، لا سيما في مجالات التعليم والمجتمع والثقافة، إلا أن هذا الحضور يشهد تراجعًا تدريجيًا مقارنة بالتخصصات الهندسية والتقنية، خاصة بين الطلبة المبتعثين للدراسة في الخارج.
وأكد الباحثان أن إعادة تمركز العلوم الإنسانية لا تُعد ترفًا أكاديميًا أو توجهًا ثقافيًا معزولًا، بل تمثل ضرورة استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبناء مواطن واعٍ ومبدع، وضمان أن يكون التقدم العلمي والتقني منسجمًا مع القيم الأخلاقية والاجتماعية.ودعت الدراسة إلى تبنّي سياسات تعليمية وبحثية تُعزّز التكامل بين العلوم الإنسانية والتخصصات العلمية، من خلال تطوير مناهج متعددة التخصصات، وتوفير دعم مؤسسي وبحثي للعلوم الإنسانية، وإدماجها ضمن منظومات الابتكار الوطنية، بما ينسجم مع تطلعات سلطنة عُمان في بناء مجتمع معرفي متجذر في هويته، ومنفتح على العالم.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن الاستثمار في العلوم الإنسانية يُسهم في إعداد أجيال تمتلك الكفاءة التقنية إلى جانب الوعي الثقافي والأخلاقي، بما يعزز مسار التنمية الشاملة والمتوازنة في سلطنة عُمان. وقالت الدكتورة مريم بنت علي الهنائية أستاذة مساعدة في التواصل بين الثقافات بقسم اللغة الإنجليزية والترجمة في جامعة السُّلطان قابوس لوكالة الأنباء العُمانية: إنّ هذا البحث لم يكن وليد لحظة بحثية طارئة، بل هو جزء من مشروع فكري ممتد بدأ ضمن منحة بحثية منذ عام 2022، ويهدف إلى إعادة التفكير في موقع العلوم الإنسانية، ومنظومة إنتاج المعرفة في مؤسسات التعليم العالي العُماني.
وأضافت أنه على المستوى الأكاديمي، ينطلق هذا المشروع من نقد منهجي متعمّق للنيوليبرالية التي أعادت تعريف التعليم بوصفه أداة اقتصادية بحتة، تُقاس فيها قيمة المعرفة بقدرتها على تحقيق الربحية، لا ببنائها للإنسان أو المجتمع. وقد رسّخ هذا المنطق نماذج معرفية اختزالية ضيّقة، وأضعف حضور المعارف المحلية والإنسانية، مما أوجد فجوة معرفية وأخلاقية في فهم دور مؤسسات التعليم العالي.
وذكرت أنه على مستوى الواقع المؤسسي، فقد كشفت الخبرة الأكاديمية وجود مفارقة واضحة بين ما تؤكده رؤية “عُمان 2040” من مركزية الهوية والقيم والاستدامة وبناء الإنسان، وبين الممارسات التعليمية التي تميل فعليًا إلى ترجيح التخصُّصات ذات الطابع التقني والمهني وفق منطق السوق المادي.ولفتت إلى أن هذه المفارقة دفعت إلى مساءلة فلسفة التعليم ذاتها: هل يقتصر دور التعليم على إنتاج مهارات وظيفية، أم يمتد إلى بناء وعي نقدي، وترسيخ الانتماء الثقافي، وتنمية المسؤولية المعرفية؟ حيث تكشف رؤية عُمان 2040 والاستراتيجية الثقافية بوضوح أن بناء مجتمع معرفي مستدام لا يقوم على التقنية وحدها، بل على الإنسان والقيم والهوية. ومن هنا برزت الحاجة إلى تفحّص آليات ترجمة هذه الرؤية في سياسات التعليم العالي وممارساته، بدل الاكتفاء بتداولها في مستوى الخطاب العام.
وأفادت أنه في ضوء ذلك جاءت الدعوة إلى إعادة تمركز العلوم الإنسانية، بوصفها مدخلًا لإعادة صياغة العلاقة بين التعليم والتنمية والهوية، وإعادة بناء المعنى الاجتماعي والأخلاقي للمعرفة، في إطار هذا المشروع الفكري الذي يسعى إلى توسيع أفق إنتاج المعرفة من داخل السياق المحلي، وإعادة الاعتبار للمعرفة المحلية، وتطوير مناهج بحث وتدريس أكثر وعيًا بالسياقات الثقافية والمعرفية، بما ينسجم مع التحول الوطني نحو اقتصاد معرفة متوازن ومستدام. وأشارت إلى أنه من منظور التواصل بين الثقافات، المعرفة ليست محايدة أو تقنية فحسب؛ بل هي منظومة قيم، ومرجعيات ثقافية ومعرفية. ولذلك فإن بناء اقتصاد معرفة بمعزل عن البعد الإنساني والأخلاقي يُنتج اختلالات عميقة، وهو ما نحاول معالجته في إطار هذا المشروع الفكري الذي يعيد مساءلة العلاقة بين المعرفة والهوية والمسؤولية الاجتماعية.
وبيّنت أنّ أول هذه المخاطر يتمثل في فرض نموذج ثقافي واحد يطمس الخصوصيات الثقافية، حيث تُفرض نماذج معرفية عالمية لا تنبع من السياق المحلي، ما يؤدي إلى تهميش المعارف الأصيلة وإضعاف التعدد الثقافي. وتابعت أنّ ثاني المخاطر يتمثّل في فصل الابتكار عن المسؤولية الأخلاقية؛ إذ حين تُدار التقنية بمعزل عن القيم، قد تحقق كفاءة وظيفية آنية، لكنها في المقابل قد تُسهم في تعميق الفجوات الاجتماعية والبيئية والثقافية بدل الحدّ منها.
وفي هذا السياق، تُسهم العلوم الإنسانية في إدخال منظور نقدي يُراجع منطلقات السياسات التعليمية وآثارها الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، ويذكّر بأن هذه السياسات ليست قرارات تقنية فقط، بل خيارات لها تبعات إنسانية وثقافية بعيدة المدى.
وأردفت أنّ الخطر الثالث، يتمثّل في تراجع الإحساس بالانتماء الثقافي لدى المتعلمين، حين يشعرون أن المعرفة التي يدرسونها منفصلة عن لغتهم وهويتهم وتجربتهم التاريخية، فتتحول إلى أداة نفعية مؤقتة، لا إلى مشروع حضاري متكامل. ووضّحت أنه من منظور التواصل بين الثقافات، فإنّ اقتصاد المعرفة المستدام لا يقوم على التقنية وحدها، بل على القدرة على التكامل بين المعارف، واحترام التعدد الثقافي، وبناء وعي أخلاقي جماعي. وهنا تتجلى وظيفة العلوم الإنسانية بوصفها الضامن الإنساني والأخلاقي لأي مشروع معرفي وطني طويل المدى.
من جانبه قال الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي أستاذ علم الآثار ودراسات التراث بجامعة السُّلطان قابوس لوكالة الأنباء العُمانية: إنّ هيمنة العلوم التقنية التطبيقية في منظومات التعليم العالي وصنع السياسات التنموية لا تُعدُّ مسألة أكاديمية محضة، بل تنطوي على تحوّل عميق في كيفية إدراك الإنسان للأشياء والعناصر التي يتعامل معها؛ ففي ظل هذا المنطق، تُختزل الظواهر الثقافية والتراثية إلى وحدات قابلة للقياس، أو إلى موارد يمكن إدارتها تقنيًا أو استثمارها اقتصاديًا، بمعزل عن سياقاتها التاريخية والرمزية والاجتماعية، ويؤدي هذا الاختزال إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالتراث، من علاقة فهم وتأويل إلى علاقة استخدام وتشغيل. وأضاف أنه عندما تطغى المقاربات التقنية، يُعاد التعامل مع العناصر الثقافية من خلال منطق وظيفي اختزالي، فتُختزل المواقع التراثية في قيمتها الإنشائية أو السياحية، ويتم التعامل مع الموروثات المعرفية بوصفها بيانات قابلة للفهرسة والحفظ الرقمي، بينما تغيب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمعنى، والذاكرة، والانتماء، وأثر هذه العناصر في تشكيل الهُوية الفردية والجماعية وصون استمراريتها التاريخية. وهنا تتجلّى إحدى أخطر نتائج تهميش العلوم الإنسانية؛ إذ تفرّغ الثقافة من بُعدها الإنساني ويتم تحويلها إلى منتج صامت، يُدار دون حوار معرفي مع المجتمع أو التاريخ.
ووضّح أنّ العلوم الإنسانية تؤدي دورًا محوريًا في إعادة الإنسان إلى مركز العملية المعرفية؛ فهذه العلوم لا تتعامل مع العناصر كمعطيات جاهزة، بل كظواهر مشحونة بالدلالات، تتطلب الفهم قبل التوظيف، والتأويل قبل التثمير.
إن حضور التاريخ، والأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، والفلسفة وغيرها من العلوم الإنسانية في منظومة التعليم العالي يدرّب الطلبة والباحثين على قراءة السياقات الثقافية التي يتعاملون معها، وعلى إدراك العلاقة بين المادة والتراث غير المادي، وبين المكان والذاكرة، وبين التنمية والمعنى.
وذكر أنه في السياق العُماني، تؤكد رؤية “عُمان 2040” والاستراتيجية الثقافية 2021–2040 على مركزية الهوية والتراث في مسارات التنمية المستدامة، فإن حضور هذا البعد الإنساني يعد أمرًا أساسيًا؛ فالتنمية المستدامة لا تتحقق فقط عبر التقنيات الحديثة أو المشاريع الاقتصادية والاستثمارية البحتة، بل تتطلب أيضا وعيا ثقافيا عميقا يضمن أن يكون التفاعل مع التراث والهوية تفاعلًا أخلاقيًا ومسؤولًا.
وأكّد أنّ دمج العلوم الإنسانية بعمق في التعليم العالي لا يسهم فقط في تخريج مختصين أكثر وعيًا، بل ينتج باحثين وصنّاع قرار قادرين على التفكير المركّب، وعلى الربط بين الاقتصاد والثقافة، وبين الابتكار والقيم. وبدون هذا الحضور، تظل مشاريع حفظ التراث واستثماره مهددة بأن تتحول إلى عمليات تقنية ناجحة ظاهريًا، لكنها فقيرة معرفيًا، وهشّة ثقافيًا، وقابلة لفقدان معناها على المدى البعيد. وعليه، فإن إعادة تمركز العلوم الإنسانية ليست دعوة مثالية، بل ضرورة معرفية وتنموية، تضمن أن يبقى الإنسان، بقيمه وذاكرته وهويته، في صلب مشروع التنمية المستدامة في سلطنة عُمان.
وأشار إلى أنه في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لا يتمثل التحدي الأساس في امتلاك التكنولوجيا، بل في كيفية توجيهها ثقافيًا وأخلاقيًا. وهنا يبرز الدور الجوهري للعلوم الإنسانية في بناء منظومة قيمية قادرة على استيعاب التحول الرقمي دون التفريط في الهوية الثقافية. إن تراجع حضور هذه العلوم في التعليم العالي يؤدي إلى اختلال عميق في التوازن بين المهارة التقنية والوعي الإنساني، حيث يُنتج النظام التعليمي أفرادًا قادرين على الاستخدام، لكن أقل قدرة على الفهم النقدي والتأمل الأخلاقي.
ولفت إلى أنّ التجارب العالمية تشير إلى أنّ هيمنة العلوم التطبيقية غير المؤطرة إنسانيًا على أنظمة التعليم قد تفضي إلى تآكل المرجعيات الثقافية، وتراجع اللغة والذاكرة التاريخية، وصعود أنماط قيمية استهلاكية. وفي سلطنة عُمان تؤكد رؤية “عُمان 2040” على أهمية بناء إنسانٍ معتز بهويته، منفتح على العالم، وقادر على التفاعل مع المتغيرات، وهي معادلة لا يمكن تحقيقها من خلال التعليم التقني وحده، بل أيضا عبر العلوم الإنسانية التي تُنمّي التفكير النقدي، والحس الأخلاقي، والوعي الثقافي.
وأكّد أنّ تغييب العلوم الإنسانية من قلب التعليم العالي من شأنه أن يُضعف قدرة المجتمع على مساءلة التكنولوجيا، ويحوّل العلوم التطبيقية إلى قوة مهيمنة تعيد تشكيل القيم دون وعي أو نقاش. كما يؤدي ذلك إلى قطيعة بين الأجيال، حيث تفقد الأجيال الشابة أدوات فهم تراثها الثقافي في بيئة تهيمن عليها سرديات تقوم على التكنولوجيا والاقتصاد، ثمّ إن إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية ليست موقفًا محافظًا أو معاديًا للتكنولوجيا، بل هي شرط أساس لبناء مجتمع حديث متوازن، يضع الإنسان في مركز العملية التنموية، ويضمن أن تكون القيم، والهوية، والثقافة عناصر فاعلة في تشكيل حاضره ومستقبله.




