الأحد , سبتمبر 22 2019
الرئيسية / المقالات / من فلسطين الى معتقل انصار

من فلسطين الى معتقل انصار

بقلم:إبراهيم عطا

طبعا لم اصب باذى، فقد كان اطلاق نار تحذيري فقط وذلك كي ابتعد عن الشريط الشائك، وقد عدت ادراجي دون ان ارى نسيبي، عدت الى خيمتي في ذلك المعسكر الذي بقينا فيه ليومين ليس اكثر…
بعد ذلك نقلونا الى معسكر اخر وبنفس الطريقة ولكن المسافة كانت هذه المرة اطول، وكانوا يهمهمون لنا وكاننا قطيع من المواشي يريدون له السير بسرعة وبانتظام…وصلنا الى المعتقل الجديد وقد كنت صائما وانهكني التعب بينما امتلأ فمي بغبار الطريق الابيض، ولم احصل على اي طعام الا الماء الذي شربت منه كمية كبيرة، ولكن في وقت لاحق وزعوا علينا حبات من البطاطا المسلوقة…
في ذلك المعتقل الواسع والمليء بالخيام العسكرية المكتوب عليها كلمات ورموز تدل على انها من غنائم الحرب مع الجيش المصري، كان الاكل عبارة عن قطعة خبز وحبة طماطم لتزداد بعد ذلك الى حبتين، وقد كان ملفتا للنظر كيف كانت العصافير تقترب منا بشكل كبير ولا تخاف منا على عكس العصافير في لبنان التي كانت تخشى الاقتراب من الناس ريما بسبب الحرب الاهلية او لكثرة الصيد الغير منظم ومرخص…ولم نمكث هناك سوى ثلاثة او اربعة ايام، ونحن نحاول ان نعرف اسم المنطقة الفلسطينية المتواجدين فيها، الى ان عرفنا لاحقا من كبار السن انها منطقة مرج بن عامر…
طلبوا منا الاستعداد صباحا للانتقال من هناك ولكن دون ابلاغنا الى اين، وقد فرحنا كثيرا لاننا اعتقدنا اننا سنعود الى بيوتنا والى اهلنا في لبنان…
وفي الصباح الباكر قمنا بالاستعداد كما طلبوا منا، وقد اعطونا تعليمات حول كيفية حمل اغراضنا القليلة وذلك من خلال وضعها داخل البطانية والتي يقومون بوضعها تحت ابطنا ثم ربطها بحبل على جسدنا، اما اعيننا فقد قاموا بتعصيبها بمناشف صغيرة كانوا قد وزعوها علينا…وصلت الحافلات الضخمة وصعدنا اليها وجلسنا ونحن مخفضين رؤوسنا تحت المقاعد الامامية كما امرونا ان نفعل، وبدأ الانتظار الطويل كي تنطلق الباصات بنا…
كان الطقس حارا جدا وكانت النوافذ مغلقة والعرق يتصبب على اجسادنا وملابسنا تتبلل وتتلون، وقد انتابني شعور بالتعب غريب جدا لا يمكن وصفه، فهو نوع من اللاتعب واللاحساس باي شيء في جسدي او فيما حولي..
– ربما غبت عن الوعي يا ابراهيم.
– لا يا مرشد، كنت واعيا ولكن فاقدا للاحساس، واعتقد ان الانسان يصل الى مرحلة من التعب والارهاق لا يمكن ان يتخطاها الى مراحل اخرى، الا الى الموت، او على الاقل هذا ما كنت اشعر به.
– وكم دام الانتظار في هذا الوضع؟ عاد مرشد ليسال.
– لا ادري لاني كنت فاقد للاحساس بالزمن…واستعدت الشعور به فقط عندما بدات تتحرك بنا الحافلات وسرنا في طريق طويل عبر بعض البلدات الفلسطينية المحتلة…سرنا لساعات وكنا نسمع ونعرف ممن يستطيعون الرؤية عن المناطق التي نمر بها، الى ان وصلنا الى مدينة صور، حيث سمعنا صوت الاطفال وصراخهم وهم يركضون خلف الحافلات…ومن ثم تباطىء الباص بنا لاننا دخلنا في طريق ترابي مليء بالحجارة الى ان وصلنا الى هنا في انصار لنجد الاسلاك الشائكة من جديد حولنا وفي كل الاتجاهات، ولا نرى من حولنا سوى الاسلاك والجنود الاسرائيليين وكاميرات الصحافة الاسرائيلية ومراسليها الذين اخذوا يوجهون اجهزتهم صوبنا بعد ان اجبرونا على الجلوس على الارض امام مدخل المعتقل وبعد ان ازاحوا العصبة عن اعيننا بانتظار توزيعنا على الخيام..
عندها اقترب منا عسكري برتبة عالية وصار يحدثنا بعربية واضحة عرفنا من لكنته انه من اصول عراقية، واخذ يردد على مسامعنا ويصوت عالي وباستهزاء كبير ب “هزيمتنا” كلمات وتعابير كانت تتكرر على مسامع الناس باستمرار في الاذاعات العربية مثل “عليكم بتحرير فلسطين…هذا وقد اسقطنا طائرة للعدو الصهيوني..” ثم ينظر الينا ضاحكا ضحكة المنتصر والمستخف بالحالة التي نحن بها…

شاهد أيضاً

صراع جنوب اليمن يثبت صواب الرأي العماني

بقلم:جمال الكندي منذ الإعلان عن “عاصفة الحزم” في اليمن التي اتخذت عدة عناوين لتبرير حربها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*