الأربعاء , أبريل 24 2019
الرئيسية / المقالات / عظماء على هامش الحياة

عظماء على هامش الحياة

بقلم : غنية الشبيبية

ذات صباح ربيعي دافئ جلست إلى جوار حكاياهن المفعمة بالحياة رغم بلوغن من الكبر عتيا.. أتناول من أحاديثهن حكما بالغة الأهمية لأمثالي الذين لازالوا مشتتين في محراب الحياة تقذفهم إلى الصلاح تارة وإلى الجهل تارة أخرى..

إنهم كبار السن أولئك العظماء الذي عصفتهم رياح الحياة ، فغدوا كبوتقة تختزل في أروقتها أطنانا من الحكمة والدراية بشؤونها، مدرسة عظيمة بحد ذاتها لمن جالسهم وارتشف من رواياتهم رحيق الفائدة..
فما بال هذه المدرسة ترمى بشرر من عقوق قاس و تقذف في دور المسنين كمن تخلص من كابوس جاثم.. حدثتني إحدى زميلاتي عن زيارتها لدار المسنين قائلة:
كان لزيارتي لدار المسنين بالرستاق ذكرى تمردت على النسيان.. حشرجة أصواتهم.. نظراتهم التائه في انتظار الموت… ابتساماتهم الصفراء.. ملامحهم الحانية التي تشف عن غصة مؤلمة وقصص تربض بكبرياء في الذاكرة لا يمحوها إلا الموت كما قال أحدهم.. وهو يروي قصة ابنه الذي قذف به في الدار بوحشية و بلا مبالاة تذكر، فقط لان زوجته لا تحتمل وجود رجل مسن في البيت!! كنت أنصت إليه والغصة تكوي قلبي.. كيف طاوعه قلبه على اقتراف جرم كهذا؟! بينما نظراتي تجول على سائر المسنين في الغرفة.
لا جدال من أن كل واحد منهم يحمل في قلبه حكاية تنوء الروح عن حملها.. لكنه دون شك قدرهم المؤلم ”
قدرهم الذي رسم خارطته عقوق لا يرحم وقلوب متحجرة أعمى الشيطان بصائرها، غير أن الإنسان مخير كذلك ، وكان الأجدر بهولاء الأبناء أن يبسطوا أكف الراحة لآباهم ويرحموا سنهم و يحتضنوا طاقاتهم الخفية لينهلوا من وهجها نورا يهتدون به في طرقات الحياة.. فتلك الطاقات تنضح بخبرة بأمور الحياة كفيلة بأن تغير مسار حياتهم إلى الأفضل.. و تجاربهم خلال سنين رحلت ملهمة لهم ولغيرهم وهي إرث عظيم يستحق التدوين و يعبر بطريقة أو بأخرى عن ذاكرة جمعية لعقود مضت.. فمن منا لا يحتضن في ذاكرته صورة جده أو جدته وهم يروون له تفاصيل زمنهم الغابر و ما تكبدوه من عناء العيش و صعوبة الحياة لاسيما قبل النهضة المباركة.. ثم يعقبون رواياتهم بالشكر والثناء على ما آلت إليه الحال من رخاء..
لا شي أجمل من أن تجد دروس مجانية في الحياة تقدمها لك قلوب عبقة بالقداسة والطهر و العفوية.. على طبق من حب و عناية.
فلنرعى تلك القلوب الطيبة و التي ما عادت تبغي من الحياة سوى راحة البال و هدوء النفس وشمل الأحبة.. ولنرقها من التهميش الذي يتربص بها من ذوي العقول الفارغة والنفوس المريضة و لنستقي منها زادا نقتات من خبرته في قادم أيامنا.

شاهد أيضاً

الطابع المعماري في البنايات السكني التجاري

بقلم : نورة الجساسي لطالما كان المعمار رمزا حضاريا لطابع ثقافي وفكري معين ، أو …

2 تعليقان

  1. حديث ذو شجون…أبدعني كالعادة..كل التوفيق لك….

  2. ان لكتاباتك صدى جميل يمس قلوبنا جميعا
    تهت معك في زوايا الماضي …وجمال تلك الوجوه البريئة المفعمة بالحياة الصافية..
    الى الامام لقلمك المفعم بالذكريات والملئ بطاقة المشاعر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*