الإثنين , أكتوبر 22 2018
الرئيسية / المقالات / الإعلام ذو العين الواحدة

الإعلام ذو العين الواحدة

بقلم:جمال الكندي

الإعلام وسيلة نقل الخبر سواءً كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءً، وهذا هو أبسط تعريف للإعلام، ولا أعتقد أن هنالك خلاف على هذ التعريف. ولكن هذا الإعلام له مؤثرات خارجية، هذه المؤثرات تجعلنا نصفه بأوصاف متعددة، وبه تتغير وجهة نظر المتلقي لهذا الإعلام، ونستطيع من خلال المؤثر الخارجي أن نميز وسيلة إعلامية عن أخرى ونطلق عليها اسم تميزت به.
على سبيل المثال هنالك إعلام موجه، وحزبي، وحكومي، وهو أمر طبيعي، فالخبر واحد ولكن طريقة النقل تختلف من أداة إعلامية إلى أخرى، بحسب تأثير ذلك المؤثر الخارجي الذي يسير هذا الإعلام ويبرز لنا لونه الحقيقي.
الإعلام يمكن أن يكون إعلاماً حكومياً صرفاً، يراعي الخطاب الدولي والعربي، ولا يقدر أن يخرج من هذا النطاق بسبب العلاقات الدبلوماسية بين الدول، وانا أسمية الإعلام الدبلوماسي الذي يطبق الأعراف الدولية في التعامل مع الدول، ويحاول تجنب الأخبار التي تخرجه عن هذا النطاق، وهو ينتقي الألفاظ المناسبة مع حفاظه على ثوابته الوطنية، وكل قاعدة ولها شواذ طبعاً. وهنالك الإعلام الحزبي الذي لا يخرج عن نطاق أفكار الحزب الواحد، والإعلام الإيدلوجي، والذي يحاول أن يغلف أي مادة إعلامية بغلاف الدين أو الفكر السياسي. وهنالك الإعلام الموجه من قبل رجال المال والسياسة والذي يتبنى خطاً واحداً في إبراز مادته الإعلامية، وهذا الإعلام تسيطر عليه فئة صغيرة من البشر تتميز بالنفوذ والسيطرة فهي تسيطر وتسير أعظم مؤسسات الإعلام العالمية، ولنا في الإعلام الأمريكي مثال واضح، فهذا الإعلام مسيطر من قبل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية وهو يتحكم بكل شيء ينشر ويذاع للمشاهد في أمريكا.
من أجل ذلك لا تحظى القضية الفلسطينية بالتغطية الموضوعية والحيادية، فهي تصور اليهودي بأنه المظلوم والمقهور والعكس صحيح طبعاً. فهذه العصابة من الناس تتحكم بهذا النوع من الإعلام وتسمح بنشر ما يتوافق مع مصالحها السياسية ومعتقداتها الفكرية.

أردت بهذه المقدمة أن أسقط ما حدث، ويحدث في الجغرافية العربية، منذ الربيع العربي وما مر عليها من أزمات سياسية ومواجهات عسكرية، وكيف تعاطى الإعلام العربي والدولي تجاه هذه القضايا من منظور ما ذكرت عن الإعلام.
إن التعاطي الإعلامي لهذه الأزمات يختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى، وحسب المراد فعله في هذا البلد وذاك والتغير الذي يراد له، ولو أخذنا الأزمة السورية مثالاً لوجدنا تناغماً كبيراً وتزويراً في نفس الوقت بين قنوات إعلامية عربية و غربية، كانت تسعى وراء سياسة شيطنة الحكومة السورية، وإبراز وجهة نظر المعارضة السورية، وتجميل صفحتها على حساب الدولة السورية ، فكانت فعلاً الأداة الناعمة لتغير المزاج العام العربي، والعالمي تجاه الحكومة السورية وتصوير كل ما تفعله في خانة انتهاكات حقوق الإنسان، ولو كان ذلك بنشر مقاطع مزورة ومفبركة من أجل إسقاط الحكومة السورية ، وقد تبين لاحقاً زيف هذه القنوات.
إن الإعلام الذي ينقل الحقيقة على الأرض ويناصر القضية الفلسطينية، ويظهر الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني، هو إعلام مستهدف يراد إسكاته بأي طريقة، فهو لا يتماشى مع المزاج الأمريكي وحلفائها لأنه يكشف المخططات الصهيونية، ويستنهض روح المقاومة في الشارع العربي. مثل هذا النوع من الإعلام موجود ولا يحصر في اسم واحد، ولكن هنالك الظاهر والبارز منه، والأمر متروك للمشاهد العربي، والذي باستطاعته الحكم.
الإعلام ذو العين الواحدة موجود، وهو إعلام غير حيادي ولو تبنى شعارات الرأي والرأي الأخر، فهو ينطلق من منطلقات الإطار الفكري والسياسة المرسوم له من قبل ممولي هذا الإعلام، لذلك لا يوجد إعلام ينقل الخبر كما هو، ولكن ينقل الخبر الذي يتماشى من سياسته، وهذا ما رأيناه واضحاً من خلال أزمات المنطقة العربية.
هذا الإعلام يكبر الحدث الصغير الذي يخدم توجهاته، ويصغر الحدث الكبير، أو يجعله هامشياً إذا كان لا يخدمها، فلا ينقل مآسي الشعوب إذا كانت لا تخدم مصلحته ولو كان على حساب دماء البشر.
من هنا نرى هذا الإعلام ذو العين الواحدة حينما يتناول ما يحدث في اليمن يقصره على إنجازات معينة تتناغم مع هدفه الرئيس في خوض الحرب في اليمن، وهذا كما قلت أمر طبيعي، بتضخيم المنجز العسكري لصالح من يدفع لهذه الوسيلة الإعلامية وبالمقابل تقليل أي إنجاز عسكري آخر لا يخدمها، ولكن التزييف والمتاجرة بدماء الأبرياء لصالح هذه الفئة أو تلك عبر وسائل إعلام لا تنقل الواقع كما هو، ولكن كما تريد هي، وهنا نحن أمام إعلام أعور لا يرى إلا بعين واحدة، والعين الأخرى عمياء لا تستطيع أن ترى الدمار، والدماء والوحشية التي تسببها آلة حربية ضخمة تقصف كل يوم بدعوى الحرية لحفنة من البشر باعت البلاد وخانت العباد.
هذه الآلة الحربية يتقدمها إعلام يغطي مخططاتها ويصارع من يخالفها، والنتيجة مزيد من الموت والدمار لبلداننا العربية وغياب الحقيقة وسط ركام الأكاذيب.
اليوم نحن أمام قضية حساسة وجوهرية في وجدان كل عربي ومسلم، هذه القضية تتطلب منا نحن العرب أن نكون يداً واحدةً وعلى قلب رجل واحد، وأن نضع خلافاتنا السياسية جانباً، وأن تكون قضية الأقصى هي التي تجمعنا، ونوحد من خلالها إعلامنا ، ونبرز ما يرتكبه الصهاينة من تعذيب وتنكيل بالفلسطينيين، وذلك بنقل صورة للواقع كما هو للمجتمع الغربي، ولن يحدث هذا إلا إذا تصالحنا مع أنفسنا كما قالها وزير الشؤون الخارجية العماني ابن علوي، فإذا تصلحنا ستعود قضية الأقصى وفلسطين من أولوياتنا القصوى، والتي يراد منا أن نحيد عنها بحروب عبثية صنعتها أياد خبيثة تريد استنزافنا بشرياً ومالياً بحجة الحرية وحقوق الإنسان . فهل نجد أعلاماً يعيد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح؟! إعلاماً يجمع ولا يفرق، إعلاماً ينقل الواقع كما هو، إعلاماً لا يساهم في مزيد من التناحر والدمار بين الشعوب العربية ؟! إعلاماً يكون بحده الأدنى ذو عينين، وليس أعوراً ذا عين واحدة، لا يرى إلا ما يراد له أن يراه فقط. فهل يوجد إعلام من هذا النوع؟! أتمنى ذلك.

شاهد أيضاً

حلفاء أمريكا في الميزان

بقلم:جمال الكندي “أمريكا ليست مؤسسة خيرية”، مقولة نسمعها في معرض الحديث عن السياسة الأمريكية الخارجية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*