السبت , نوفمبر 18 2017
الرئيسية / المقالات / التصالح مجانا.. وعلى بعد إتصال هاتفي

التصالح مجانا.. وعلى بعد إتصال هاتفي

بقلم:المحامية ميمونة السليمانية

لقد اعتاد الناس على أن الإختلاف مع الآخرين قد يترتب عليه الخصومة..وربما التشاكي أمام القضاء.. وهو أمر مكفول بموجب النظام الأساسي العماني الذي كفل “حق التقاضي” وذلك عبر نظام المحاكم القائم في سلطنة عمان. ومن المعروف أن جهود الهيئة الإدارية للمحاكم وهي التي تمثل السلطة القضائية في السلطنة تتولى إدارة شؤون التقاضي وتكفل قدر الإمكان البت في القضايا المنظورة أمامها في ذات السنة القضائية، على الأقل في درجة التقاضى الأولية وهي الدرجة الإبتدائية، حفظا لحقوق الناس ومراكزهم القانونية. ومازلنا نترقب مزيدا من التطوير القضائي ليشمل التبليغ الإلكتروني وخصوصية الدعاوي دون إخلال بعلانية الجلسات وأخيرا تبني التخصصية في القضايا لاسيما العمالية والتجارية منها.

إلا أن مقال اليوم ينقلنا إلى بعد آخر من حل النزاعات.. حيث نستبدل:
المدعي بطالب الصلح..
والخصم..بالمتصالح معه..
والدعوى بطلب الصلح..
والإستدعاء بمحضر بإتصال هاتفي شخصي..
والعلانية والمناداة بأسماء الأطراف بسرية تامة..
والحضور إلى مقر الجلسة بإنتقال رئيس جلسة الصلح والموظفين حيثما شاء الأطراف..
والتوقيت والإنتظار من العاشرة صباحا وهو الموعد المعتاد للجلسات إلى أن يحين دورك..بجلسة محددة المدة.. قد تمتد للمساء وفق ظروف الأطراف..

والأرقى..
استبدال أيام العمل الأسبوعية فلايقتصر التصالح على هذه الأيام بل يمتد لأيام الإجازات الأسبوعية بلا كلافة ولاتعب!..
أليس حريا بنا أن نحتفي إذن بقرب بمرور ١٢سنة على صدور قانون عماني إنساني من الدرجة الأولى كهذا …. فما هو ياترى؟!
بتاريخ ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٥ صدرقانون التوفيق والمصالحة بموجب المرسوم السلطاني رقم (٢٠٠٥/٩٨).ومنذ ذلك الحين امتد النطاق الجغرافي للجان التوفيق والمصالحة حتى أصبحت كافة المحافظات العمانية لديها لجنة توفيق ومصالحة يتاح من خلالها للناس سواء كانوا أفراد أو شركات اللجوء إليها للتصالح والتوفيق في الشؤون المتخاصمين فيها.

إليكم كالمعتاد وبأسلوب عملي ومبسط إجراءات التصالح وفق قانون التوفيق والمصالحة العماني:
اللجوء للجان التوفيق والمصالحة يكون أول ملاذ لمن يريد استرداد حقه من فرد أو شخصية إعتبارية قبل الذهاب للمحاكم. حيث وفق المادة (٤) من قانون التوفيق والمصالحة تختص اللجان بتسوية أي نزاع قبل إقامة دعوى بشأنه في القضاء. وهذا يشمل الصلح في نزاع مدني (أي بين طرفين لأسباب مدنية كالتعويض أو بسبب أن كلا الطرفين ليسا تاجرين ومسألة المنازعة ليست من المسائل التجارية) أو تجاري ( بسبب أن أحد الطرفين تاجر وسبب النزاع مسألة تجارية كعقود البيع أو الإيجار أو المقاولة أو أي عمل بهدف الربح) أو في مسائل الأحوال الشخصية ( كالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والخلافات بين أفراد الأسرة والمواريث وغيرها).
الاستعانة بأهل الخبرة. حيث بإمكان اللجان تحديد الحاجة إلى الخبرة للبت في المصالحة للوصول إلى إتفاق حالها في ذلك حال التقاضى المعتاد أو التحكيم.وقد نظم ذلك المادة ٩ من القانون.
من مميزات نظام التوفيق والمصالحة أنه إجراء يتم بدون رسوم فهو مجاني بالمقارنة مع التقاضى المعتاد أمام المحاكم أو التحكيم ففي كلا الوسيلتين يتكبد رافع الدعوى رسوما للجهة القضائية إضافة إلى إلزامية تعيين محامي في القضايا التي تتجاوز سقفا ماليا معينا. وحدد مجانية الإجراءات المادة ١٠ من القانون.
هناك حد أقصى لإنهاء إجراءات التسوية خلال ستين يوما على الأكثر من تقديم الطلب.ويجوز التمديد بما لايتجاوز ٣٠ يوما. وهذه من أهم مميزات المصالحة حيث لو قارناها بالتقاضي أمام المحاكم فإنه قد يستهلك سنوات من عمر الخصوم بين أخذ ورد لاسيما في الحالات التي يمارس فئة محدودة من المحامين ألاعيب تأخير الحقوق وإطالة أمد الضرر المادي والمعنوي لصاحب الحق دون وجه حق. بينما في إجراءات المصالحة فإنه ولله الحمد بالإضافة إلى عدم ضرورة وجود محامي في إجراءات التسوية فإن على أمين السر في المحاكم المعتادة توجيه رافع الدعوى للتوفيق والمصالحة قبل البدء في تسجيل الدعوى. كما أنه من الأخلاقيات الرفيعة تبني المحامين كذلك مبدأ التصالح والتوفيق قبل تشجيع الموكل على رفع الدعاوي والتخاصم أمام المحاكم وذلك وفق المادة ١٢ من قانون التوفيق والمصالحة. كما نظم أمر الحد الأقصى للتسوية زمنيا المادة ١٣ من القانون.
عادة ما يتم استدعاء الطرف الخصم في الدعوى عبر تكليف الحضور عن طريق محضر ينتقل إلى العنوان الذى حدده المدعى كعنوان مكاني للمدعى عليه ويتم ذلك على مرآى ومسمع ممن يكون متواجدا أثناء التبليع. ناهيك عن الخطأ في العنوان أو تعمد المدعي الأساءة إلى المدعى عليه عبر إدعاء عدم علمه بعنوان المدعى عليه مما يتسبب في نشر التكليف بالحضور عبر الصحف اليومية ممايزيد الطين بلة! أو أن يكون المدعى عليه بنفسه سيئ النية فيتقاعس عن استلام التكليف ويتهرب تعطيلا للدعوى وتأجيلا لمصالح الناس وتكبد المدعى تكاليف النشر في الصحف . بينما بموجب نظام التوفيق والمصالحة فإن كل هذا يتم تفاديه بحيث يتم الإكتفاء برقم هاتف الشخص المطلوب التصالح معه. فتخيلوا درجة السرية والخصوصية التي يتم المحافظة عليها حيث يتلقى الشخص الإتصال من قبل لجنة التوفيق والمصالحة وبأسلوبهم السمح المعهود يتم إقناع الشخص المطلوب للمصالحة للإستماع من جهة محايدة لطلبات طالب الصلح وبنية خالصة لإصلاح ذات البين. فإذا تقبل المطلوب التصالح معه الأمر اختار أقرب موعد يناسبه لمراجعة اللجنة شريطة أن لايتجاوز الأمر ٧ أيام من من تاريخ تقديم الطلب.
وسؤال في محله التساؤل بشأن أنهاء التصالح. فالأمر لايخرج عن ثلاثة إحتمالات:
أولا: حالة رفض أطراف المصالحة إكمال الإجراءات كعدم الحضور أو الحضور ورفض ما تم التوصل إليه من صلح. فإن من مميزات المصالحة أنها لاتتم إلا بتراضى وموافقة الأطراف المحضة. لذا ففي حال عدم التوصل لتسوية وإتفاق فتصدر اللجنة قرارا بعدم إتمام الصلح وسبب ذلك.

ثانيا: حالة رفض المتصالحين لجزء من المسائل المتصالح بشأنها والموافقة على البعض الآخر وهنا إذا كانت المسائل قابلة للتجزئة تم التصالح في الجزئيات المقبولة بين الطرفين وصدر بشأنها محضر الصلح. ويكون لهذا المحضر قوة الأحكام القضائية بمعنى نفس قوة الأحكام القضائية النهائية الصادرة عن المحاكم حتى درجتها العليا. ومثال المسائل التي بالإمكان تجزئتها: في الدعاوي المدنية للتعويض عن الضرر طالما تم الإتفاق على وقوع الضرر وتسبب المتصالح معه فيه وإقراره بذلك بالإمكان التصالح على المبلغ المتفق عليه بين الطرفين حتى لو استمر تنازع الطرفين في تعويضات أخرى غير ذات صلة.

ثالثا: توصل الأطراف إلى تصالح نهائي وصدور محضر الصلح من خلال لجنة التوفيق والمصالحة. ومع ذلك تقاعس أحد الأطراف في المصالحة عن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه رغم إنتهاء إجراءات المصالحة. ففي هذه الحالة يحق للطرف في المصالحة استخدام هذا المستند للتنفيذ في المحاكم دون الحاجة إلى رفع الدعوى أمام المحاكم مرة أخرى. يعني اختصر على نفسه الوقت والتكاليف والإجراءات الطويلة. واستفاد من الاتفاق المتصالح معه حتى لو تراجع بعد ذلك فليس بإمكانه التهرب من إلتزاماته الواردة في محضر الصلح طالما وافق عليها وقام بالتوقيع على المحضر. ومرد ذلك أو مبرره التشريعي أن الأصل أن التصالح تم بالإرادة الحرة للطرفين وليس بالإجبار ولو لم يرغب أي طرف فيما ورد في محضر الصلح فكان بإمكانه الإنسحاب من المصالحة ورفضها وعدم إضاعة الوقت والمماطلة بلا مبرر.
وجدير بالذكر هنا أن بالإمكان تبادل الحقوق والإلتزامات وفق محضر الصلح فورا ومباشرة أثناء الجلسة. فعلى سبيل المثال لو كان اتفاق الطرفين قيام أحدهم بتسليم المبيع مثلا وقبض الثمن بالإمكان التنفيذ الفوري دون تأجيل. أو استرداد شيئ منقول كبضاعة أو مستند أو مبلغ مالي وكان بحوزة الطرف أثناء الجلسة يتم التنفيذ على الفور!

وخلاصة الحديث فإن قانون التوفيق والمصالحة ساهم بعمل إنساني عظيم وهو إعمال وإنصياع لما ورد في كتاب الله في الآية الأولى من سورة الأنفال: ” اصلحوا ذات بينكم”.
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إن يوم الإثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين، يقول الله تعالى دعهما حتى يصطلحا”. فيحرم المتخاصمون المغفرة عافاكم الله.

جعلكم الله من المغفورة ذنوبكم.. لاتكابروا في التصالح أصلح الله حالكم وحالنا فلجان التوفيق والمصالحة في خدمة المتصالحين ومحسني النوايا في جو تسوده الخصوصية وسرعة الحصول على الحقوق. لايكلفك الأمر سوى رقم هاتف من تود التصالح معه ! فبادر واحتسب المغفرة بإذن الله.فالتصالح على بعد إتصال هاتفي!

شاهد أيضاً

سقوط ورقة داعش في المنطقة ماذا بعد؟؟

بقلم:جمال الكندي الظاهرة الداعشية إن صح التعبير قاربت على الانتهاء في العراق وسوريا، هذه الظاهرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

This site is protected by wp-copyrightpro.com